الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الحج وقيمة التوازن بين الروح والجسد

تاريخ الإضافة : 24/07/2021
Print
الحج وقيمة التوازن بين الروح والجسد

 تعتبر شعيرة الحج بمناسكها مجالًا واسعًا وفرصة مباركة لبناء شخصية المسلم بطريقة متوازنة؛ حيث خاطب الإسلام المسلم روحًا وجسدًا وعقلًا في تناسق مبدع جامع لغذاء الروح ومتطلبات الجسد، فأفسح لكل منها مجاله، وأعطاه حقَّه بالقسط دون إفراط أو تفريط ولا طغيان أو إنقاص.
وذلك لأنه دين يقترب من الفطرة الإنسانية السليمة، ويوازن في أحكامه ومقاصده بين عناصر الشخصية البشرية بطريقة متكاملة لا يستغني عنها الإنسان؛ فهو ليس جمادًا مصمتًا، ولا رقمًا في معادلة، ولا وحدة حياتية مستقلة عن غيره، ولا يحيا حياة عادية روتينية، لا يوجد فيها تفكير ولا مشاعر؛ بل لا بد أن يكونَ متفاعلًا مع الحياة له حظ منها ولها حظها منه، وهو في أثناء ذلك يعمل لما بعد الحياة؛ وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].
نعم؛ إننا نجد في أحكام شعيرة الحج معالم التوازن الحكيم والتوافق الفريد والانسجام الشامل بين متطلبات الروح وحاجات الجسد، وبين النزعة الفردية والمصالح المجتمعية؛ فالحاج مأمور أن يوازن بين الحقوق والواجبات، من حيث توفر نفقته المالية التي يستغني بها عن سؤال الناس حتى رجوعه إلى وطنه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: " كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197]. "صحيح البخاري" (1523).
وفي ذات الوقت يجب عليه أداء الحقوق الواجبة عليه بحيث لا يترك أهله ومن تلزمه نفقتهم إلا وقد وفر لهم ما يكفيهم إلى أن يرجع، كما ينبغي عليه أن يُؤدِّي ما عليه من ديون ومستحقات أو يطلب العفو والمسامحة، فلا يسافر قبل أن يقضي كافة الحقوق المالية وغيرها التي عليه لغيره، ويرد الودائع والأمانات لأهلها، فإن الدَّين مانع لوجوب الحج إلا أن يستأذن صاحبَ الدين مع الوصية لأهله بقضائها.
كما أن من طبيعة رحلة الحج أنها رحلة تعبدية، ورغم ذلك أباح للحاج أن يعمل بالتجارة وهو محرم، وأن يدخر الطعام وأن يأكل ويشرب مع كونه ذاكرًا لله تعالى، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن أيام التشريق: «إنَّا كنَّا نَهَيْناكُم عن لُحُومها أن تأكُلُوها فوق ثَلاثٍ، لكي تَسَعَكُم، جاء الله بالسَّعةِ، فكُلوا وادَّخِرُوا واتّجِرُوا، ألا وإنَّ هذِهِ الأيامَ أيَّامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذِكرٍ للهِ عزَ وجلَّ» "سنن أبي داود" (2813).
وفيه الأمر بضرورة التوازن بين حاجات الروح ومتطلبات البدن؛ نظرًا لأن شعيرة الحج تستلزم أكثر أعمالها مجهودًا بدنيًّا كبيرًا، فلا تكتمل هذه المقاصد إلا بالتزود بإعداد الطعام وأسباب الحياة وضرورياتها، وكذا العناية بالصحة من خلال اتِّباع الإرشادات الطبية وأخذ التطعيمات والأدوية الضرورية، مما يقي الحاج من الأمراض المعدية والأدواء الخطرة، خاصة في ظل هذه الجائحة العالمية (كرورنا).
وفي الحج لا تكون الشعائر مطلوبة لذاتها، إنما لما وراءها من المعاني؛ حيث يقول الله تعالى عن الأضحية في الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37]، وبهذا التوجيه يحصل لدى الحاج مزج حكيم بين الشكل الظاهري والبدني من الإحرام والطواف.. وسائر المناسك، وبين القيم والأخلاق والمشاعر التي يحياها أثناء ممارسة هذه الشعائر، من الالتزام بأوامر الشرع الشريف، واجتناب نواهيه، ومقابلة الإساءة بالحسنى، والتحلي بمكارم الأخلاق عند التعامل مع الغير حتى وإن تعدى عليه من أجل صحة هذه العبادة وقَبولها، ويستوي التعامل بالحسنى هنا مع الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد، فالتعامل مع كلها بسلام تام وفي وأمان كامل.
وكذا الالتزام بمبدأ المساواة مخبرًا ومظهرًا، وتعميق معاني الأخوة الإسلامية والإنسانية وعدم تقسيم الناس إلى طبقات يعلو بعضها فوق بعض وتغليب المنفعة الخاصة على العامة.
وتؤكد هذه المعاني الرفيعة على أن الإسلام من خلال شعيرة الحج قد أرشد إلى سمات ومحددات التوزان الحكيم المطلوب تحقيقه في حياة المسلم وشخصيته سواء بين الروح والجسد، أو بين الحقوق والواجبات، أو بين الحياة الدنيا والحياة الأخروية؛ فهي تقتضي التوسُّط أو التعادل بين أمرين متقابلين أو متضادَّيْن؛ بحيث لا تنفرد الروح بالاهتمام على حساب الجسد، ولا يحظى الشكل الظاهري بالاهتمام على جانب القيم والأخلاق، فيطغى على مقابله ويجور على حقِّه. وكل ذلك قد لخصه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عن أيام التشريق : «إِنَّها أيَّامُ ذِكرٍ وَأَكْلٍ وشُرْبٍ».
****
الجمعة 13 ذي الحجة 1442هــ الموافق 23 يوليو 2021م.

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام