الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

ختان الإناث وخطورة ثقافة الآراء الأحادية

تاريخ الإضافة : 02/04/2021
Print
ختان الإناث وخطورة ثقافة الآراء الأحادية

شهدت الساحة الفكرية في الأيام الماضية جدلًا كبيرًا شابه بعض الانتقادات حول مناقشة مجلس النواب المصري لمسألة "ختان الإناث" أو خفاض الإناث من أجل تعديل قانون العقوبات في شأن تغليظ عقوبة ختان الإناث برفع الحد الأقصى للعقوبة لمن قام بختان أنثى، وتجريم سلوك كل طبيب أو مزاول لمهنة التمريض يجري ذلك من غير ضرورة مقننة.
ومن المتابعة لهذا الجدل الدائر الواسع ما بين مؤيد ومعارض حول هذا الأمر الذي لم يصادم القطعيات أو قولًا مجمعًا عليه، فقد لاحظت محاولات بعضهم الحثيثة من خلال الطرح والتناول الأحادي الذي يرسخ ثقافة الجمود، والتسفيه من الآخر وإطلاق الأحكام بتخطئة رأيه!
وهو مؤشر خطير يؤكد على غياب القيم الحضارية في إدارة الآراء والأفكار المختلفة بما يمثل عاملًا معوقًا لأي تنمية وعمران، وتحديًا غير سديد للأمن والاستقرار.
والمتأمل في أدلة العلماء في ختان الإناث يرى أنها ضعيفة لا تصلح للاحتجاج عند التحقيق، أما بالنسبة إلى حديث أم عطية الذي يستند إليه بعضهم في جواز الختان فهو حديث فيه مقال بتعبير العلماء، وعلى فرض صحته فهو محمول على الإرشاد في بعض القضايا المعينة؛ وكأن النبي كان يرشد أم عطية في حالة بعينها علمها النبي صلى الله عليه وسلم فأرشدها إلى نصائح في التعامل الطبي معها.
وقد رأى بعض العلماء أن حديث ختان المرأة مروي من أوجه كثيرة وكلها ضعيفة معلولة لا يصح الاحتجاج بها.
إذن فهذه القضية ليست جديدة الطرح والإثارة، كما أن رأي الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ليس رأيًا شخصيًّا، إنما هو رأي استقرت عليه الجماعة العلمية بناء على المعارف الطبية الحديثة منذ بدايات القرن الماضي؛ حيث توصل أعلام الأزهر الشريف في دراساتهم الدقيقة إلى أنها ليست دينية تعبدية من حيث الأصل، وإنما هي من قبيل العادات والأعراف وليست من قبيل الشعائر الدينية؛ ويجب تركها إذا أثبت العلم ضررها.
لذا نجد الإمام ابن الحاج المالكي يقول في كتابه "المدخل": [واختُلف في حَقِّهنّ: هل يخفضن مطلقًا، أو يُفرق بين أهل المشرق وأهل المغرب؟] اهـ.
ويقول المرحوم الشيخ محمد عرفة -عضو جماعة كبار العلماء- في مقال له منشور في "مجلة الأزهر" (عدد 10 لسنة 1952م صفحة 1242): [فإذا ثبت كل ذلك فليس على من لم تختتن من النساء من بأس]، ثم استطرد فقال: [وإذا مُنِعَ في مصر كما مُنِع في بعض البلاد الإسلامية؛ كتركيا وبلاد المغرب فلا بأس، والله الموفق للصواب] اهـ.
ولا شك أنه لما كانت المعارف الطبية السائدة في العصور الأولى تقرر فائدة ما معتبرة لختان الإناث بنى الفقهاء على ذلك أقوالهم التراثية المنقولة والمتداولة التي يحتج بها البعض حتى الآن، وشبيهٌ بذلك -على سبيل المثال- ما قاله الإمام الشافعي في كتابه "الأم" في حكم الوضوء بالماء المشمس: [ولا أكرهه إلا من جهة الطب] اهـ.
وبذلك تظهر خطورة التمسك بالآراء المنقولة دون التبصر بواقعها ومداركها الشرعيَّة، فمعلومٌ أن الاقتداء بسلف الأمة أن نعيش مناهجهم وأصولهم لا مجرد فتاواهم وتفريعاتهم التي لها ملابساتها وظروفها الخاصة بزمانها، وهي أمور تقرر أن الفتوى تتصل بحقيقة الواقع، وأن المعارف الطبية المستقرة بالنسبة لختان الإناث قد أثبتت أن له مضارًّا كثيرة: جسدية ونفسية؛ مما يجعل المطَّلع على حقيقة الأمر لا يسعه إلا القولُ بالتحريم فضلًا عن الاتفاق حول ذلك، دون تفرق للكلمة واختلافٍ لا مبرر له.
ويستثنى من ذلك بعض الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي تحت بصر الأطباء؛ لسبب طبي، وهو ما راعاه القانون من أن الختان البعيد عن دائرة الطب والتداوي مجرم قانونًا، وأن الطبيب الذي يقوم بها دون حاجة يقرها الجماعة الطبية فإنه معرض للعقوبات التي يقررها مشروع القانون المقدم، وهي متفقة مع مقاصد التشريع والنظر السديد والاجتهاد المنضبط في إطار فهمنا للنصوص الشرعية والواقع الذي نتحرك فيه الآن وعلى رأسها شهادة الأطباء وهم أهل الاختصاص.

****
الجمعة 20 شعبان 1442هــ الموافق 2 أبريل 2021م.
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام