الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. حفظ مقصد العقل

تاريخ الإضافة : 26/02/2021
Print
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. حفظ مقصد العقل

العقل هبة الله تعالى للإنسان فبه تميز عن سائر المخلوقات، وعليه يكون مناط التكليف وتحمل المسئولية، ومن خلاله تتميز صفات الأشياء من كمال أو نقصان، ومن كونه طيبًا أو خبيثًا، مع الترتيب بين المصالح وأولاها، وبين المفاسد وأشدها، وبهذه الصفة خاطب الله تعالى الناسَ بقوله: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 100].
لقد أباح الشرع الشريف للإنسان كل ما يَكْفل سلامته وتنميته بالعلم والمعرفة، وسدَّ أي طريق يؤثر في إفساده أو إضعاف قوته كتناول المخدرات ونحوها، وأمَّنه من المخاطر التي تقوده إلى الخلل أو الفوضى أو الهوى الفكري، وأوجب العقوبة الزاجرة على من يتناول شيئا من ذلك، فيضمن بذلك حفظ العقل الذي هو مناط التكليف.
فالمقصود الشرعي من "حفظ العقل" هو بالأساس حفظ نظام الأمة الإنسانية واستدامة صلاحها باتباع طريق النجاة والفلاح والاستقرار والعمران، وهذا مرهون بحسن استغلال العقل باعتباره الوسيلة الأصيلة للإنسان في تحقيق ذلك.
ثم إن مهمة مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" الشرعيَّة في تحقيق مقصد "حفظ العقل" لها جانبان:
الأول: الجانب الوقائي الذي تتحدد سماته في ضرورة إعداد العقل إعدادًا سليمًا وشاملًا ومتكاملًا في كافة مراحل التكوين العقلي للفرد طفلًا وشابًّا وكبيرًا؛ حيث يستوجب هذا المبدأ الجليل في هذا الجانب المهم على مستوى الأسرة تحمل كلٍّ من الآباء والأمهات مسئوليته في تحقيق صلاح أبنائهم بدنيًّا وعقليًّا وصحيًّا وخُلُقيًّا وتربويًّا، وتأديبهم وتعليمهم مع الحنو والتلطف والعدل ومراعاة كل ما يؤدي إلى مصلحتهم ويدفع عنهم المفاسد بما يجعلهم أجيالًا صالحة ونافعة لأنفسهم ومجتمعهم؛ فالأبناء زينة حياة والديهما ومظهر كمالها، وفي ذات الوقت هم الأمل للدول والمجتمعات وعُدة الشعوب المستقبلية في العمران وامتداد الحياة وأهم عوامل استقرارها.
كما تقوم المؤسسات التعليمة والدينية والثقافية بمختلف اختصاصاتها ومراحلها بدور محوريٍّ في "حفظ العقل" للإنسان في ضوء مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من خلال اهتمامها بإكساب العقل الإنساني مفاتيح وأصول العلوم النافعة وإعداده معرفيًا بطريقة متكاملة تنمي عقله وتزيد في حكمته وإصلاح نفسه وأعماله وأخلاقه، وتدقق تمييزه للفضائل، وتصحح انقياده إلى الخيرات والمصالح.
والثاني: هو الجانب الرقابي من خلال المؤسسات التشريعية والأجهزة الرقابية التي تولي المحافظة على "عقل الفرد" حرًّا منضبطًا أهمية كبرى، سواء على مستوى "الأمن الفكري" الذي يستهدف تحصين الفرد والمجتمع من كافة المفاهيم والأفكار التي تقود إلى شيوع الخرافات والانحرافات الفكرية، أو على مستوى "حفظ الجسد" باعتباره كيان الإنسان المادي، وذلك من خلال منع ما يُخْرج الإنسان عن إنسانيته بالتعدي على هذا العقل الإنساني بتناول ما يغيبه أو ما يتلفه من مطعوم أو مشروب بمختلف أسمائهما وأنواعهما.
ولا تخفى أهمية المسئولية وخطورة الدور الذي تقوم به هذه المؤسسات في هذا الجانب؛ فالتأثير على "العقل" سواء بانحرافه فكريًّا أو بتناول ما يغيبه يؤدي إلى أضرار خطيرة من سلب الإنسان منحة التكريم التي كرمه الله تعالى بها، وإفساد إنسانيته والقضاء على حيوية أعضائه وأمور حياته، بل ويفسد ما بينه وبين مجتمعه من صلات المحبة والصفاء، مع ذهاب الحشمة والوقار واحترام الوطن والأهل والأصدقاء.
فجملة هذه المعاني تظهر مقصود الشرع الشريف من الأمر والنهي في مجال حفظ العقل، وأنه يؤدي دورًا محوريًّا متكاملًا في جانبيه الوقائي والرقابي؛ لما لذلك من أهمية كبيرة جدًّا ومجالات واسعة، حيث يتم من خلاله الجمع بانسجام بين الدور التعليمي والتربوي والنظر التشريعي والدور الرقابي والردع العقابي من أجل وجود عقلٍ سليمٍ حرٍّ يقظٍ وفق مقتضيات الفطرة النقية التي لا تثمر إلا الفرد الصالح والنافع لوطنه ولمجتمعه؛ وإلا كان الحال على النقيض؛ حيث يضر نفسه ويؤذي غيره، فيكون من أهل الفساد، والله تعالى لا يحب الفساد ولا يصلح عمل المفسدين.

****
جريدة الأهرام عدد الجمعة 14 رجب 1442هــ الموافق 26 فبراير 2021م.
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام