الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. تاريخ الحسبة وتطبيقاتها

تاريخ الإضافة : 05/02/2021
Print
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. تاريخ الحسبة وتطبيقاتها

ظلَّ نظام الحسبة هو النظام المؤسسي الذي تعكس الدولة من خلاله القيام بمقتضيات مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ومبدأ سيادة القانون بما فيهما من قيم عليا تتفق عليها جميع النظم الدستورية والتشريعية، من أجل تحقيق مبادئ العدل وسمات الإصلاح وطرق التنمية والعمران.
وتظهر الحكمة من تشريع الحسبة في الإسلام باعتبار أنَّ الناس لا تتم مصالحهم إلَّا بالاجتماع والتعاون على جلب المنافع وتحقيق المصالح ودفع المضار والمفاسد، وأنهم محتاجون دائمًا إلى نظام عام يسيرون على هديه، وسلطة تحرص على تحقيق هذا النظام في حياة المجتمع والفرد؛ حتى يتمكن الجميع من القيام بواجب الخلافة في الأرض، وتحقيق الغاية الأساسية من خَلْق الإنسان، وهي إفراد الله تعالى بالعبودية المطلقة مع عمارة الكون بمختلف جوانبه ومجالاته.
وهي معانٍ تبرز أهمية مبدأ الحسبة ومظاهر الاهتمام بتطبيقه في واقع الحضارة الإسلاميَّة وتاريخ المسلمين، والذي كان بصورة متكاملة ودقيقة جعلت العلاقة بين الحسبة وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علاقة في غاية التشابك، وصلت في تصور البعض إلى حدِّ الترادف، لكنها نظرة غير دقيقة؛ فهناك تفاوت مؤثر بينهما؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يظل مبدأ عامًّا لأنه من الأصول العامة للديانات.
فالعلاقة بين الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علاقة عموم وخصوص، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القاعدة العامة والأمر الكلي الذي تتحرك في إطاره الحسبة وغيرها من الوظائف التنفيذية والرقابية، ومن ثَمَّ فالحسبة تمثل إحدى أدوات الممارسة التطبيقية لهذا المبدأ.
كما نجد في تجارب المسلمين المعاصرة في بناء الدولة الحديثة وتنظيم المجتمع بطريقة عصرية الاستفادة بقوة من نظام الحسبة وتطويره فنيًّا وإداريًّا بهدف ضبط حركة المجتمع أفرادًا ومؤسسات والمحافظة على استقرار النظام العام والهوية الحضارية والثقافية للشعب من خلال هذه الوظيفة ذات الطابع الرقابي، تمارسه الدولة الحديثة من خلال أجهزتها المعنية في كافة المجالات؛ حيث يشمل ذلك كافة الأجهزة والمؤسسات الرقابية في الدولة الحديثة كلٌّ في دائرة اختصاصه.
هذا، وتتيح الدولة الحديثة مبدأ الاحتساب التطوعي والذي يمارِس فيه المجتمع فعاليته الإصلاحية متطوعًا دون تكليف، وهو مجال أضيق من سابقه بطبيعة الحال؛ نظرًا لكون عملية الاحتساب عملية إجرائية تنفيذية يصعب على الأفراد المتطوعين ممارستها بفاعلية، ولذلك فإن هذا المجال ينحصر في أمرين:
الأول: النصح والموعظة؛ لأن المحتسب المتطوع فيه يحاول النهي عن المنكر الظاهر أو الأمر بالمعروف المتروك، لكن دون سلطة تخوِّل له تحقيق المقصود من الأمر أو النهي؛ مما يجعل عملية احتسابه لا تتجاوز النصح فقط، ولذا يكون في مجال ضيق جدًّا يتناول الدائرة الاجتماعية القريبة منه؛ كالأسرة والأصدقاء وأهل الجيرة.
والثاني: ويكون عن طريق دعاوى الحسبة، وهو الطريق الأكثر فاعلية نظرًا لارتباطه بأجهزة الدولة؛ حيث يتيح النظام القضائي أن تقوم النيابة المختصة بالدعوى والأمينة عليها فتطالب فيها الجهة المعنية -سواء كانت جهة قضائية أو تنفيذية- بإزالة المنكر أو الأمر بالمعروف الذي تراه غير متحقق.
فجملة هذه المعاني تؤكد على أن التجربة المصرية رائدة في الحفاظ على الهوية الدينية والحضارية مزامنة مع عدم التخلف عن الأخذ بمقتضيات العصر وما انتهى إليه التطوُّر في تنظيم الدولة الحديثة والاستفادة من مبادئ الشريعة الإسلاميَّة والتي يأتي مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" على رأس أولوياتها، حيث تتم ممارسته وبصورة عملية ومتخصصة عبر المؤسسات التثقيفية والتعليمية والصحية والأجهزة الرقابية والمعلوماتية، والجهات الأمنية والتنفيذية، والمؤسسات التشريعية والقضائية؛ بما يضمن تقويم ومتابعة حركة الناس والمجتمع بشكل دائم ومستمر، ويحول دون شيوع تزييف الحقائق وتشويه الهوية والخروج على قواعد النظام العام وعموم الفساد والانحراف، ولا يخفى أنها مظاهر واضحة تكشف زيف شعارات ومرتكزات أهل التطرف التي تتستر وراء العناوين البراقة واختزال وتحريف الأدلة والمفاهيم الشرعيَّة السامية.
****
الجمعة 23 جمادى الآخرة 1442هــ الموافق 5 فبراير 2021م.
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام