الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

مصر بلد الطيبين ومأوى الأنبياء والمرسلين

تاريخ الإضافة : 08/01/2021
Print
مصر بلد الطيبين ومأوى الأنبياء والمرسلين

حبا الله تعالى أرض مصر واحدًا من أكثر المواقع عبقرية وأهمية على وجه المعمورة؛ فهي تقع في قلب العالم القديم كحجر زاوية بين إفريقيا وآسيا، وتطل عبر البحر المتوسط على قارة أوروبا، مع كونها موطن حضارة وأرض ذات جود ورخاء، شكلت نقطة التقاء الأديان والأفكار والحضارات في شعاع النور والعلم، وشارك أبناؤها الطيبون في حمل مشاعل الفكر والمدنية، فكانوا همزة الوصل بين المشرق والمغرب وبين الشمال والجنوب.
وهي سمات راسخة في المصريين عبر تاريخهم العتيق انطلقت من رسالات الأنبياء والرسل؛ فهي مشاعل النور والهداية للبشرية جمعاء، ترشدهم إلى فضائل الأخلاق ومكارمها؛ فقد أقبل على هذه الأرض الطيبة الأنبياءُ والرسلُ والصالحون، وعلى وجه اليقين ابتداءً من إبراهيم الخليل وزوجته سارة، ومرورًا بيوسف وأبيه يعقوب والأسباط، وولد فيها ونشأ كليم الله موسى وأخوه هارون، حيث وجدوا في ربوعها الأمن والاستقرار، ومن أهلها حلاوة اللسان وحسن المودة والمحبة ولطافة الاستقبال.
ففي مصر نشد خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام الأمن والاستقرار حيث خرج من موطنه ببابل من أرض العراق مهاجرًا من الاضطهاد والتمييز، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26]، فسافر منها ومعه زوجته السيدة سارة إلى الشام ثم جاء إلى مصر حيث الرخاء والاستقرار، وبعد ظهور أمره لأهل مصر زوجوه بالسيدة هاجر عليها السلام، والتي أنجبت منه نبي الله إسماعيل أبا العرب، كما أهدى المصريون السيدة مارية القبطية لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأنجب منها ولده إبراهيم.
وهذا ما يفسر اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بإبراز مكانة مصر والمصريين والوصية لهم بالإحسان والمعاملة الطيبة؛ حيث بيَّن الحكمة من ذلك بقوله: «فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» أَوْ قَالَ: «ذِمَّةً وَصِهْرًا» "صحيح مسلم"، قاصدًا بالرحم السيدة هاجر، وبالصهر السيدة مارية رضي الله عنهما.
كما احتضنت مصر السيدة مريم وطفلها سيدنا عيسى عليهما السلام فيما يعرف تاريخيًّا برحلة العائلة المقدسة التي خرجت مهاجرة من الاضطهاد والظلم إلى أرض مصر من أجل التنعم بالسلام والأمن واستمرت فيها أكثر من ثلاثة أعوام تنقلت خلال أوقاتها المباركة بين ربوع الأرض المصرية شمالًا وجنوبًا، وعبر هذا المسار المبارك ظهرت بركة سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام وإرهاصات نبوته ودلائل صدق رسالته ودعوته، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50].
وهي معانٍ راقية تؤكد على أن مصر عند الله تعالى وعند أنبيائه ورسله هي أرض مباركة تشع بالعلم والعمران والخير والبركة، وتمتاز بالأمن والأمان والاستقرار، وهذا يعود إلى استمداد المصريين من مقاصد الشرائع السماوية وأحكامها، التي تجذرت في وجدان الإنسان المصري عبر الأنبياء والرسل الذين عاشوا على هذه الأرض الطيبة أو مروا بها؛ فالكل يدعو إلى الإيمان والأخلاق الكريمة؛ فالرسالة واحدة لإدارة حركة الحياة في هذه الأرض، ولكي يؤدي الإنسان الرسالة التي خُلق من أجلها وهي عمارة الأرض، وأن الأنبياء جميعًا بعثهم الله لينشروا السلام والبناء.
وهو ما انطلق منه الإنسان المصري الذي تمتاز شخصيته بالإخلاص والعمل الجاد وحب العمران والخير؛ وأنه إنسانٌ محبٌ لله تعالى ولأنبيائه ورسله؛ يهتم بتخليد ذكرى ميلادهم باعتبارها مناسبات سعيدة على البشرية جمعاء، ومنها ذكرى ميلاد سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام التي هي سلام على البشرية، وفي خصوصها ورد قول المسيح عليه السلام في القرآن الكريم: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33]، فضلًا عما يتمتع به النسيج المجتمعي المصري من كونه لا يميز بين مواطن وآخر، في منظومة متناغمة تحقق العيش المشترك الذى تحيطه المحبة والتسامح والسلام، فالمصريون جميعًا على قلب رجل واحد.
كل عامٍ ومصر كلها؛ مسلمون ومسيحيون بكل خير.. في ذكرى مولد سيدنا عيسى عليه السلَام.
****
الجمعة 24 جمادى الأولى 1442هــ الموافق 8 يناير 2021م.
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام