الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تنظيم الأسرة.. تنظيم النسل وقضية التأثر بالفكر الغربيِّ

تاريخ الإضافة : 01/01/2021
Print
تنظيم الأسرة.. تنظيم النسل وقضية التأثر بالفكر الغربيِّ

يربط بعض المتابعين بين تحرك الدولة المصرية تجاه معالجة تحديات الزيادة السكانية والتي من أهم محاورها مسألة تنظيم النسل وبين ما تتخذه دول الغرب من إجراءات في ذات القضية، فيزيد من خلال ذلك حساسية الأفراد والمجتمعات المسلمة تجاه هذه الجهود تحت دعوى أنها فكرة غربية متأثرة بآراء "توماس روبرت مالتوس" التي نشرها سنة 1798م، وأنها مؤامرة أجنبية مشكوك في أغراضها التي يقصد بها -بزعمهم- تقليل عدد المسلمين وكسرة شوكتهم.
لا شك أن موضوع تنظيم النسل ودعم المنظمات والحركات الداعمة له في المجتمعات الغربية قد أخذ يتطبع بتوجه عالمي من بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الحقيقة تقول أن هذه الفكرة ليست محصورة في مجتمع دون آخر؛ فهي فكرة إنسانية عرفتها البشرية عبر العصور؛ حيث استخدمها الصحابة رضي الله عنهم، وبإقرار النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكرناه من قبل في مقالات سابقة.
كذلك عالجت نصوص فقهاء المسلمين عبر القرون أحكام العزل -وهو وسيلة من وسائل تنظيم النسل-وشروطه، واتفقت كلمتهم على مشروعيته، مع اهتمامهم بملاحقة التطور الذي يشهده هذا المجال سواء في الوسائل أو المبررات، ونجد ذلك واضحا في كلام الإمام أبي حامد الغزالي الشافعي، والذي ناقش هذه القضية ومبرراتها من خلال كتابه "إحياء علوم الدين" بحسب معارف عصره، فذكر أن من بين المبررات والدواعي الجائزة: استبقاء المرأة جمالها والخوف على صحتها وحياتها إذا هي حملت، بأن يتوالى حملها في فترات قريبة لا تسمح باسترداد صحتها، فيكون سببًا لسوء حالتها الصحية، وكذا في حالة فقر الزوج وحصول المشقة له بسبب مسئولية تربية الأولاد والعناية بهم إذا كثروا.
إن المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العطرة ونصوص السنة الشريفة يجد أنها تقرر بوضوح أن أي فكرة إنسانية ولو أجنبية لا ينبغي أن نرفضها بادِيَ الرأي لكونها وافدة إلى مجتمعاتنا، فكم من الأفكار الإنسانية في مجالات متعددة أخذ بها المسلمون وكان لها وجاهتها، ومن ذلك اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم بالمعارف الصحية والحقائق الطبية التي قررتها تجارب الروم وأهل فارس؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «‌لَقَدْ ‌هَمَمْتُ ‌أَنْ ‌أَنْهَى ‌عَنِ ‌الْغِيلَةِ، ‌حَتَّى ‌ذَكَرْتُ ‌أَنَّ ‌الرُّومَ ‌وَفَارِسَ ‌يَصْنَعُونَ ‌ذَلِكَ، ‌فَلَا ‌يَضُرُّ ‌أَوْلَادَهُمْ». "صحيح مسلم"، والغيلة هي أن يأتي الرجل زوجته وهي حامل، أو تحمل المرأة وهي ترضع، وهذه هي الحالة التي كانت تصلح في أوقاتهم، وانعكست اليوم.
إن الإسلام لا يسعى لأن يكون أتباعه متميزين لمجرد التميز، إنما يأمرهم بالتميز بالأخلاق الحسنة والشمائل الكريمة، ويأمرهم بالانفتاح على الآخر ومراعاة المشترك الإنساني في شتى المجالات، لا كما تكشف زيف الدعاوى والشبهات التي تتعمد ترويجها بعض الجماعات والأفكار المنحرفة؛ لتزيد من حساسية الأفراد اتجاه جهود الدولة ومؤسساتها في مواجهة تحديات الزيادة السكانية، الهائلة.
بالإضافة إلى أن مثل هذه الدعاوى الزائفة لا ينبغي أن يلتفت إليها؛ لأنها تتعارض مع الإسلام وأحكامه ومقاصده؛ لأنه دين يوجه الإنسان دائما نحو الأخذ بنصيب وافر من العلم والتعلم ومراعاة سمات التطور ومظاهر التجديد المستمرة في هذا العالم بصوره المختلفة ومجالاته المتعددة، من أمور يبديها الله تعالى في هذا الكون ولا يبتديها؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]؛ ومن ثم فنحن مطالبون شرعًا وعقلًا بالأخذ بمستجدات العلم ومواكبة مقتضيات العصر وتطور المدنية على جميع الأصعدة، والتي من بينها التحكم في معدل الزيادة السكانية بما يدعم جهود التنمية ويناسب معدلاتها بطريقة متوازنة، ولا يخفى أن الشرع الشريف قد جاء من أجل جلب مصالح السلامة والعافية، ودرء مفاسد المعاطب والأسقام، ودرء ما أمكن درؤه من ذلك، وجلب ما أمكن جلبه من ذلك؛ كما يقول العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى.

****
جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 17 جمادى الأولى 1442هــ الموافق 1 يناير 2021م السنة 145 العدد 48969. 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام