الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الأسرة في الإسلام.. مشكلة أطفال الشوارع

تاريخ الإضافة : 18/10/2020
Print
الأسرة في الإسلام.. مشكلة أطفال الشوارع

يعتبر دفء الأسرة واستقرارها أحد العوامل التي تضمن توفير بيئة سليمة لحياة الأولاد، خاصة إذا كانوا في مرحلة الطفولة لما لها من خطورة بالغة؛ ففيها تتشكل سمات شخصية الطفل وملامح اتجاهاته في المستقبل، مما ينعكس سلبًا أو إيجابًا على حياة هؤلاء الأولاد خاصة وعلى المجتمع المحيط بهم عامة.

ولقد تنامت بشدة خلال القرن العشرين عدة مشكلات مجتمعية على رأسها ظاهرة "أطفال الشوارع"؛ وذلك نتيجة عدم قيام الوالدين أو أحدهما بواجباته تجاه الطفل من العيش في جو أسري سليم وتوفير كافة احتياجاته وحقوقه، فضلًا عن استغلال طاقتهم البشرية في أعمال غير ملائمة لطبيعتهم.

ولا يخفى أن هذه الظاهرة من الظواهر الخطيرة التي تؤرق المجتمعات المعاصرة، وهي ناتجة في المقام الأول من تقصير الزوج باعتباره والدًا والزوجة باعتبارها أمًّا في واجباتهما تجاه أولادهما وعدم القيام بمقتضيات مسئولياتهما في إطار الأسرة كما ينبغي؛ حيث ترجع أبرز أسباب حدوث تلك الظاهرة إلى شيوع التفكك الأسري في العلاقات الزوجية سواء كان بالطلاق أو هجر البيت أو اتخاذ العنف وسيلة غالبة في سائر التعاملات داخل الأسرة، وكذا إحساس الأبناء بعدم الاعتناء بهم، ووقوع الظلم عليهم من خلال تفضيل الوالدين المطلق لأحد منهم على الآخر، فضلًا عن عدم وجود القدوة أو توفر الأهداف الصحيحة للآباء تجاه هؤلاء الأبناء.. إلى غير ذلك من الأسباب التي تعكس الضغوط النفسية والاجتماعية على الطفل والتي تكون كفيلة بفراره إلى الشارع أملًا في تحقيق طموحاته وتلبية احتياجاته النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

وهذه الأسباب المذكورة قطع الشرع الشريف طريق تحققها؛ وذلك بما شرعه من أحكام وآداب للعلاقة الزوجية وتحديد مسئولية كلٍّ من الزوجين في إطار الأسرة، بما يُعَدُّ من الإجراءات الناجعة والوقاية المبكرة من حدوث هذه الظاهرة؛ حيث حثهما على تهيئة مناخ أُسريّ وجو صحي وفق الرحمة والمحبة والمودة، وأوجب عليهما إشباع احتياجات أولادهما وتحقيق رعايتهم بدنيًّا وعقليًّا وصحيًّا وخُلُقيًّا وتربويًّا مع الاستعداد التام لاستيعاب مشاكل هذه المرحلة الخطرة من عمرهم.

ثم ضرورة مراعاة قدرة الأسرة المالية والبدنية والنفسية على تحمل مسؤولية الأولاد، ومن ثَمَّ تنظيم عملية الإنجاب والتناسل وفق ذلك، وإلا عَرَّضَ الزوجان أنفسهما لتكلف ما يفوق الجهد والوسع من واجبات، فضلًا عن الأعباء الأخرى التي ستنتج عن ذلك من تحمل الدولة والمجتمع أعباء الصحة والتعليم والعلاج والإسكان، ولا يخفى ما في ذلك من مشقة وضرر وإخلال بالحقوق، مما يؤدي إلى الوقوع فيما نهى الله تعالى عنه بقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233].

وقد حث الشرع الشريف المجتمع ببذل التكافل والمواساة بين أفراده، خاصة تقديم الرعاية والعناية لهؤلاء الأطفال تربويًّا وصحيًّا واجتماعيًّا، مع توفير الاحتضان والحب والعطف حتى يتم دمجهم داخل المجتمع بأسلوب حكيم، ولا شك أنهم يدخلون تحت نطاق كفالة اليتيم وما في حكمه، كما يتطلب دعم دور الرعاية والإيواء ومراكز استقبال هؤلاء الأطفال، وتدريب الأخصائيين المنوط بهم التعامل معهم وحل مشاكلهم، فضلًا عن العمل على إحصائهم وتقنين أعدادهم وتوجيههم كطاقة بشرية إيجابية في المجتمع.

وجملة هذه المعاني والإجراءات تقتضي من كل أب وأم أن يكونا على وعي تام بحقوق الأبناء الذين هم عدة المستقبل وعوامل استقرار الحياة البشرية وامتدادها؛ فلم يطلب الشرع الشريف من الزوج باعتباره رب الأسرة ومن الزوجة باعتبارها مسؤولة في إطار الأسرة مجرد إنجاب البنين والبنات دون أن يصاحب ذلك العناية بهم وتنمية أجسادهم وعقولهم وتأديبهم وتعليمهم مع الحنو عليهم والتلطف بهم والعدل بينهم، وبما يثمر في كونهم عدة صالحة لمستقبل مشرق لأنفسهم ولمجتمعهم ولأوطانهم؛ فالإسلام لا يريد مجرد نسل لا قيمة له ولا وزن، إنما يريد نسلًا قويًّا صالحًا جسدًا وعقلًا وخُلُقًا وروحًا.

****

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام