الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

اعتبار المآلات وصورة الإسلام الحضارية

تاريخ الإضافة : 12/10/2020
Print
اعتبار المآلات وصورة الإسلام الحضارية

رسم النبي صلى الله عليه وسلم لعلماء الأمة المعالم الواضحة في الوقوف على أسرار التشريع وتعليل الأحكام وبيان أسبابها بما يفيد مرونة الشرع الشريف ومسايرته لكل عصر ومصر بما فيه سعادة الخلق وحفظ مصالحهم.

إن شريعة الإسلام غير محصورة في دائرة نصوص معدودة كأنها مواد جامدة؛ بل دائرتها واسعة ومساحتها رحبة تنوعت فيها المصادر التشريعية تنوعًا كبيرًا ومنضبطًا؛ بما أفسح المجال لعمل العقل الاجتهادي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة الكرام رضي الله عنهم ومَن بعدهم من المجتهدين والعلماء في التعامل مع مختلف المستجدات والقضايا لبيان أحكامها الشرعية في ضوء هدي نصوص القرآن والسنة التفصيلية ومقاصدها، مع مراعاة لحركة التطوُّر التي تشهدها المجتمعات الإنسانية في كل زمان ومكان.

نعم، لقد انطلق علماء الأمة ومجتهدوها عبر القرون من السبيل التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عملية الاجتهاد خاصة في تعليل الأحكام وتوسعوا في ذلك، فتارة نجدهم يستنبطون للأحكام المنصوص عليها عللًا ويوسعون دائرتها بما يبدو لأول وهلة أنهم قد خالفوا بها حكم الله تعالى، ولكنهم بدقة نظرهم علموا أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ومن ثمَّ يتغير لتغير علته بما يحقق مرونة الشريعة الإسلامية بصورة عامة ويرفق بالناس ويحقق مصالحهم.

ومن أبرز الأدلة على ذلك: عدم معاقبة الصحابي الوليد بن عقبة (المتوفى سنة 61هـ) على سُكْره وقد كان أميرَ الجيش في حرب من حروب المسلمين على أرض الروم على عهد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ حيث قال الناس لأبي مسعود، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: أقيما عليه الحد، فقالا: "لا نفعل نحن بإزاء العدو، ونكره أن يعلموا، فيكون جرأة منهم علينا، وضعفًا بنا" "مصنف عبد الرزاق"، فقد ظهر من المطالبة بمعاقبته انطلاق المطالبين من المعارف العامة والثقافة الشائعة التي تقرر أن الحدود إذا ثبتت تطبق، دون مراعاة للاعتبارات الشرعيَّة الأخرى، فلما بيَّن الصحابيان أبو مسعود وحذيفة رضي الله عنهما أن الأمر له بُعْد آخر مهم سلموا لهما وأذعنوا، وهو (فقه المآلات) الذي يقرر أن معاقبة الوليد -وهم في حالة الحرب ولقاء العدو- ستكون مدخلًا لطمع العدو فيهم وإظهار ضعف هيبة الجيش أمامه.

وهذا الفهم الراقي في تعليل تأخير تنفيذ العقوبة لم يخالف نصًّا ولا إجماعًا ولا قياسًا، بل فيه دفع لمفسدة عن الأمة وجلب لها مصلحة راجحة ترجع إلى إظهار قوة المسلمين وتماسكهم؛ فضلًا عن شهود الشرع الشريف له بالاعتبار حيث دلت النصوص والأدلة صراحة على جواز تأخير إقامة العقوبة لعارض كالحمل أو السفر أو المرض، أو لضرر بسبب حر أو برد.

كذلك موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيام رمضان (التراويح) حيث امتنع عن قيامها في جماعة مبينًا سبب ذلك وهو الخوف من أن تفرض على الأمة، وقد أذعن الصحابة رضي الله عنهم لهذا الأمر، لكن الفاروق عمر رضي الله عنه أقامها في جماعة وجمع لها الناس؛ بناء على زوال سبب المنع بانقطاع الوحي، ولاعتبار فقه المآلات ودفع مفسدة أنه ربما جاءت أجيال متهاونة في قيام شهر رمضان الفضيل، فضلًا عن تحقق مصالح الأمة من خلال ما تشعر به إقامة الجماعة من توحيد الصفوف ووحدة الأمة وجمع كلمتها، ومنعًا من التشويش والتفرق.

فمثل هذه الاجتهادات الفقهية التي سلك بها أصحابها مسالك التعليل أصوليًّا وفقهيًّا، والتي قد تبدو مخالفةً في ظاهرها لبعض النصوص الشرعية، تؤكد على أهمية فقه المآلات وضرورة اعتباره في الاجتهاد والاختيار الفقهي، خاصة في المسائل والوقائع التي جدَّ ما يدعو إلى تغير حكمها؛ نظرًا لتغير العوائد والأعراف، أو اختلاف الواقع، وبما يرفق بأحوال الناس ويوافق أعرافهم وعاداتهم ويناسب مقتضيات العصر.

****

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام