ضابط المشقة المرخصة للصلاة على الكرسي في الصلاة المفروضة

27 يونيو 2024 م

ما ضابط المشقة المرخِّصة لترك ركن القيام في الصلاة المفروضة؟

المحتويات

 

أنواع المشقة عند الفقهاء

الأصل أن يحرص المكلف على القيام بالصلاة تامة الأركان والواجبات والشروط حتى تصح صلاته، فإذا منعه من ذلك عذر أو مشقة فيترخص له حينئذٍ القيام بها على قدر وسعه وطاقته، ومن ذلك ترك ركن القيام في صلاة الفريضة لمن يجد في الصلاة قائمًا مشقة من مرض أو غيره، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» أخرجه البخاري في "الصحيح".

والترخص بالتيسير حين وقوع العذر أو المشقة أصلٌ من الأصول الكلية التي عليها قوام الشريعة، وقد عبر الفقهاء عن ذلك الأصل بجملة من القواعد، والتي منها: "المشقة تجلب التيسير"، و"الحرج مرفوع"، و"ما ضاق على الناس أمره اتسع حكمه"، و"الضرر يُزال" كما في "الأشباه والنظائر" للعلامة السُّبْكِي (1/ 12، ط. دار الكتب العلمية)، و"الأشباه والنظائر" للعلامة ابن نُجَيْم (ص: 89، ط. دار الكتب العلمية).

وبحسب أقوال الفقهاء يتضح أن المشقة تنقسم إلى نوعين رئيسيين:

النوع الأول: المشقة التي لا تنفك عنها العبادة غالبًا لأنها لازمةٌ لها؛ وذلك كمشقة الجوع الملازمة لفريضة الصيام، والجهد البدني والمالي الملازم لفريضة الحج، ولا يُباح بهذه المشقة ترك العبادة أو تخفيفها؛ لكونها ملازمة لطبيعتها ومقصودة من الآمر بها وهو الشارع الحكيم.

النوع الثاني: المشقة التي تنفك عنها العبادة؛ لكونها غير لازمة للقيام بها، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع:

الأول: مشقة عظيمة، وهي التي يُخشَى معها هلاك أو عظيم ضرر، وهذه مما يجب التخفيف بسببها؛ لأن حفظ النفس سبب لمصالح الدين والدنيا.

الثاني: مشقة بسيطة، وهي التي يقوى الإنسان على تحملها دون لحوق ضرر أو أذى به، وهذه المشقة لا توجب تخفيفًا؛ لأن تحصيل العبادة معها أولى من تركها، لشرف العبادة مع خفة هذه المشقة.

الثالث: مشقة متوسطة، وهي التي تقع بين المشقة العظيمة والبسيطة، ويختلف الحكم بالترخُّص في التخفيف بها باختلاف قُربها من المشقة العظيمة أو بُعدها عنها، فكلما اقتربت من المشقة العظيمة أوجبت التخفيف، وكلما ابتعدت عنها اختلف القول بالتخفيف بها وتوقف ذلك على حال المكلف وطاقته.

قال الإمام القَرَافي في "الفروق" (1/ 118-119، ط. عالم الكتب): [(المشاقُّ قسمان: أحدهما لا تنفك عنه العبادة، كالوضوء، والغسل في البرد، والصوم في النهار الطويل، والمخاطرة بالنفس في الجهاد، ونحو ذلك، فهذا القسم لا يوجب تخفيفًا في العبادة؛ لأنه قُرِّر معها. وثانيهما المشاقُّ التي تنفك العبادة عنها، وهي ثلاثة أنواع: نوع في الرتبة العليا، كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع فيوجب التخفيف؛ لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة، فلو حصَّلنا هذه العبادة لثوابها لذهب أمثال هذه العبادة.

ونوع في المرتبة الدنيا، كأدنى وجع في أصبع، فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة؛ لشرف العبادة وخفة هذه المشقة. النوع الثالث مشقة بين هذين النوعين فما قَرُب من العليا أوجب التخفيف، وما قَرُب من الدنيا لم يوجبه، وما توسط يُختَلَف فيه لتجاذب الطرفين له] اهـ.

ضابط المشقة المرخصة للصلاة على الكرسي في الصلاة المفروضة

المتأمل في أقوال الفقهاء ونصوصهم يجدهم قد تناولوا مسألة المشقة المبيحة ترك القيام في الصلاة تحت عدد من الأسباب، والتي من خلالها يمكن الوصول إلى ضابط المشقة، والذي تُخرَّج عليه ما يُستجَدُّ من مسائل وأحوال، وهذه الأسباب هي:

أولًا: عدم القدرة على القيام حقيقةً -بالعجز عنه بحيث لو قام سقط- أو حكمًا بأن قدر عليه لكنه يجد بسببه زيادةَ مرضٍ أو تأخُّرَ الشفاءِ أو حصولَ ما يخشاه إن صلى قائمًا، كدوران الرأس أو الغرق لمن كان يصلي في سفينة، ويُعلم ذلك إما بسبق تجربة أو بإخبار طبيب.

قال الإمام ابن نُجَيْم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 121، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(قوله: تعذر عليه القيام أو خاف زيادة المرض صلى قاعدًا يركع ويسجد).. أراد بالتعذر التعذر الحقيقي بحيث لو قام سقط بدليل أنه عطف عليه التعذر الحكمي وهو خوف زيادة المرض] اهـ.

وقال العلامة النَّفَرَاوِي المالكي في "الفواكه الدواني" (1/ 240، ط. دار الفكر): [(وصلاة المريض) الفريضة (إن لم يقدر على القيام) فيها مستقلًّا بأن عجز عنه جملة أو تلحقه به مشقة شديدة (صلى جالسًا) مستقلًّا] اهـ.

قال الإمام النَّوَوِي الشافعي في "المجموع شرح المهذب" (4/ 310، ط. دار الفكر): [قال أصحابنا: ولا يشترط في العجز ألا يتأتى القيام ولا يكفي أدنى مشقة، بل المعتبر المشقة الظاهرة، فإذا خاف مشقة شديدة، أو زيادة مرض، أو نحو ذلك، أو خاف راكب السفينة الغرق، أو دوران الرأس، صلى قاعدًا ولا إعادة] اهـ.

وقال العلامة الحصني الشافعي في "كفاية الأخيار" (ص: 122، ط. دار الخير): [واعلم أنه ليس المراد بالعجز عدم الإمكان، بل خوف الهلاك، أو زيادة المرض، أو لحوق مشقة شديدة، أو خوف الغرق، ودوران الرأس في حق راكب السفينة] اهـ.

وقال العلامة ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" (2/ 106، ط. مكتبة القاهرة): [وإن أمكنه القيام إلا أنه يخشى زيادة مرضه به، أو تباطؤ بُرئِه، أو يشق عليه مشقة شديدة، فله أن يصلي قاعدًا] اهـ.

ثانيًا: أن يلحقه بما يجده من المشقة حال صلاته قائمًا ما يذهب بمقصود الصلاة من الخشوع أو كماله، وسواء كان ذلك بسبب مرض أو ضيق مكان أو خوف عدو ونحوه.

قال العلامة تقي الدين الحصني الشافعي في "كفاية الأخيار" (ص: 122): [وقال الإمام: ضابط العجز أن تلحقه مشقة تُذهب خشوعه] اهـ.

وقال الشيخ عبد الرحمن الشربيني في "حاشيته على الغرر البهية" (1/ 409، ط. الميمنية): [(قوله: حدًّا يسقط القيام) هو ما لم يحصل معه شيء من الخشوع وما هنا يكفي فيه ذهاب كمال الخشوع. اهـ. ع ش، لكن في "الإيعاب": وأدنى مراتب المشقة في المرض أن تشغله عن الخشوع أي: أصله لا كماله كما هو ظاهر في الصلاة] اهـ.

وقال العلامة ابن مُفْلِح الحنبلي في "النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر" (1/ 125، ط. مكتبة المعارف): [وإطلاق كلامه أيضًا يقتضي أنه إذا أمكنه القيام في صورة الراكع أنه لا يلزمه، وليس كذلك، بل يلزمه؛ لأنه قيام مثله، بخلاف ما لو كان لغير آفة به، كمن في بيت قصير سقفه، أو خائف من عدو يعلم به إذا انتصب ويمكنه أن يستوي جالسًا فإنه يصلي جالسًا على منصوص الإمام أحمد لعدم الاستطاعة المذكورة في حديث عمران بن حصين] اهـ.

وقال العلامة المَرْدَاوِي الحنبلي في "الإنصاف" (5/ 7، ط. هجر): [لو كان في سفينة، أو بيت قصير سقفه، وتعذر القيام والخروج، أو خاف عدوًّا إن انتصب قائمًا، صلى جالسًا على الصحيح من المذهب، نص عليه] اهـ.

وعليه: فالمشقة التي يباح الترخص بها في ترك القيام في صلاة الفريضة هي كل مشقة تزيد عن المشقة المعتادة بأصل التكليف، مما قد يضر بالأبدان أو يمنع من حصول الخشوع في الصلاة، بأن يكون المصلي عاجزًا عن القيام بسبب شدة مرضه أو كبر سنه، أو يخاف إذا صلى قائمًا زيادة مرض، أو تأخُّرَ بُرئِه، أو غير ذلك من الأعذار.

جاء في "تهذيب الفروق" للشيخ محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية في مكة المكرمة (1/ 132، ط. عالم الكتب): [وضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها هو أنه يجب على الفقيه أولًا أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال، ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق ينظر فيه ثانيًا، فإن كان مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مُسقطًا، وإن كان أدنى منها لم يجعله مُسقطًا.. والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن المشقة التي يباح الترخص بها في ترك القيام في صلاة الفريضة هي المشقة الزائدة عن المعتاد بحيث يترتب عليها زيادة الألم أو تأخُّرُ الشفاءِ أو حصول ما يخشاه الإنسان إن صلى قائمًا أو فقد الخشوع في الصلاة بسببها.

والله سبحانه وتعالى أعلم

 

اقرأ أيضا