الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات
Print

حكم العقيقة عن المولود الذي مات قبل السابع

سائل يقول: رجلٌ رزقه الله تعالى بمولود، ثم قدَّر الله أن مات هذا المولود بعد ولادته بيومين؛ فهل على أبيه أن يعق عنه؟ 

الإجابة

العقيقة سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فَعَلها وأَمَر بها ورَغَّب فيها؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَعَ الغُلاَمِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى» أخرجه الإمام البخاري في "الصحيح" عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه.

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ" أخرجه الإمام أحمد في "المسند".

وقد نص جماهير الفقهاء على سنيتها، وممَّن كان يرى ذلك عن الذكر والأنثى: السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأم المؤمنين عائشة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وبريدة الأسلمي رضي الله عنهم أجمعين، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعطاء، والزهري، وأبو الزناد. وبه قال الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وجماعةٌ من أهل العلم يَكثُر عددهم، وعلى ذلك جرى العمل في عامة بلدان المسلمين متبعين في ذلك ما سَنَّهُ لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ كما في "الإشراف" للإمام ابن المنذر (3/ 417-418، ط. مكتبة مكة الثقافية)، وينظر: "الكافي" للإمام ابن عبد البر المالكي (1/ 425، ط. مكتبة الرياض الحديثة)، و"المجموع" للإمام النووي الشافعي (8/ 426، ط. دار الفكر)، و"المغني" للإمام ابن قدامة الحنبلي (9/ 459، ط. مكتبة القاهرة).

وذهب الحنفية إلى أنها ليست بسنة وإنما هي مباحة أو تطوع، بينما ذكر الإمام القدوري من الحنفية أنها مستحبة؛ قال الإمام القدوري في "التجريد" (12/ 6356، ط. دار السلام): [قال أصحابنا: العقيقة مُسْتَحَبَّةٌ وليست بِسُنَّةٍ] اهـ.

وقال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (6/ 326، ط. دار الفكر): [في "غرر الأفكار" أن العقيقة مباحةٌ، على ما في "جامع المحبوبي" أو تطوعٌ على ما في "شرح الطحاوي" وما مَرَّ يؤيِّد أنها تطوع، على أنه وإنْ قُلنا: إنها مباحةٌ؛ لكن بقصد الشكر: تَصِيرُ قُرْبَةً؛ فإنَّ النيةَ تُصَيِّرُ العاداتِ عباداتٍ، والمباحاتِ طاعاتٍ] اهـ.

قال العلامة الشاه أحمد رضا خان [ت: 1340هـ] في "جد الممتار على رد المحتار" (6/ 468، ط. مكتبة المدينة بكراتشي) معلقًا على هذه المسألة: [قوله: "الطحاوي"؛ وهو الصحيح] اهـ.

والأصل فيها أن تُعمل يوم السابع من ولادة المولود؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ سَابِعِهِ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى، وَسَمُّوهُ» أخرجه الإمام الطبراني في "المعجم الأوسط".

وقد أخذ المالكية بظاهر الرواية؛ فقصروا ذبح العقيقة في اليوم السابع من ولادة المولود؛ لا قبل ذلك، ولا بعده.

قال الإمام الخرشي في "شرحه على مختصر خليل" (3/ 47، ط. دار الفكر): [وقت ذبح العقيقة: في يوم سابع الولادة؛ لا قبله اتفاقًا، ولا بعده على المشهور] اهـ.

وقال العلامة النفراوي في "الفواكه الدواني" (1/ 393، ط. دار الفكر): [الدليل على مشروعيتها: ما رواه أحمد بسند جيد، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «كُلُّ غُلَامٍ مَرْهُونٌ بِعَقِيقَتِهِ»، وبَيَّنَ زمنها بقوله: «وَيُعَقُّ» بالبناء للمجهول «عَنِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ» فلا يعقّ عنه قبل السابع اتفاقًا، ولا بعده على المشهور؛ لسقوطها بمضي زمنها كالضحية] اهـ.

بينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب الذبح يوم السابع، فإن أراد الأب ذبحها قبل ذلك؛ جاز له الذبح، ولو بمجرد انفصال الولد عن أمه؛ لأن سبب العقيقة قد حصل بالولادة.

قال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (3/ 229، ط. المكتب الإسلامي): [المستحب: ذبحها يوم السابع من يوم الولادة.. ويجزئ ذبحها قبل فراغ السبعة] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في "الكافي" (1/ 546-547، ط. دار الكتب العلمية): [يستحب ذبحها يوم السابع.. فإن ذبحها قبل السابع: جاز؛ لأنه فعلها بعد سببها] اهـ.

ويتفرَّع على اختلاف الفقهاء في وقت ذبح العقيقة بحسب التفصيل السابق بيانُه: ما إذا مات المولود بعد ولادته وقبل أن يُدرِك اليوم السابع من ولادته؛ فهل يُعق عنه أو لا؟

فذهب المالكية إلى أنه لا يُستحب أن يعقّ عنه؛ لأن بداية وقت العقيقة عندهم كما تقرّر هو يوم السابع لا قبله، وعليه: فلو مات المولود قبل يوم السابع فلا يُعق عنه؛ لعدم تحقق سبب العقيقة، وهو الولادة وحياة المولود ليوم السابع، فلَمَّا انتفت الحياة بموت المولود قبل السابع انتفت العقيقة، وهو أيضًا مقتضى مذهب الحنفية؛ إذ قرنوا العقيقة عن المولود بمناسبة الحلق له يوم أسبوعه، ووجه ذلك: أن العقيقة في أصلها هي الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وإنما سميت الشاة التي تذبح عنه في تلك الحال عقيقةً؛ لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح؛ فإن العرب ربما سَمَّوُا الشيءَ بِاسمِ غيره إذا كان معه أو مِن سببه، فسُمِّيَت الشاةُ عقيقةً لعقيقة الشعر. ينظر: "تهذيب اللغة" للعلامة أبي منصور الأزهري [ت: 370هـ] (1/ 47، ط. دار إحياء التراث).

قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (6/ 336): [يُستحب لمَن وُلد له وَلدٌ أن يسميه يوم أسبوعه، ويحلق رأسه، ويتصدق عند الأئمة الثلاثة بِزِنَةِ شعره فضةً أو ذهبًا، ثم يعق عند الحلق عقيقة] اهـ.

وقال العلامة أبو الوليد الباجي في "المنتقى شرح الموطأ" (3/ 102، ط. مطبعة السعادة): [لا يجوز تقديم العقيقة قبل السابع؛ قال مالك في "المبسوط": إن مات الصبي قبل السابع؛ فليس عليهم أن يذبحوا عنه، فاقتضى ذلك: أن وقت ثبوت حكمها هو الوقت المذكور من اليوم السابع، فإن أدرك الصبي ذلك الوقت: ثبت حكمها، وإن مات قبل ذلك: بطل حكمه، والله أعلم وأحكم] اهـ.

وجاء في "البيان والتحصيل" للإمام ابن رشد (3/ 393، ط. دار الغرب الإسلامي): [مسألة: قيل له: أرأيت الذي يولد فيموت قبل السابع؛ أعليه فيه عقيقة؟ فقال: لا. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو ممَّا لا اختلاف فيه أعلمه؛ لأن العقيقة إنما يجب ذبحها عنه يوم السابع إذا حلق رأسه وأميط عنه الأذى؛ على ما جاء عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، ومضى القولُ فيه في أول رَسْمٍ مِن سماع ابن القاسم، فإذا مات قبل ذلك: سقطت عنه العقيقة] اهـ.

وقال العلامة ابن جزي في "القوانين الفقهية" (ص: 330-331، ط. دار ابن حزم): [مَن مَاتَ قبل السَّابِع: لَا يُعق لَهُ، وكذلك السقط. (المسألة السادسة) في وقتها: وهو يوم سابع المولود إن ولد قبل الفجر، ولا يعدّ اليوم الذي ولد فيه.. وتذبح ضحًى إلى الزوال، لا ليلًا، ولا سحرًا، ولا عشية، ومن ذبح قبل وقتها: لم تُجْزِه] اهـ.

وقال الشيخ عليش في "منح الجليل شرح مختصر خليل" (2/ 490، ط. دار الفكر): [شرطها: استمرار حياة المولود، فإن مات قبل السابع أو فيه قبل العق عنه: فلا تندب] اهـ.

وذهب الشافعية في المعتمد كما جزم به الإمام النووي واختاره أكثر محققي المذهب، والحنابلة، إلى استحباب العقيقة عن المولود الذي مات قبل السابع من ولادته.

قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (8/ 448، ط. دار الفكر): [لو مات المولود قبل السابع استحبت العقيقة عندنا] اهـ.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 549، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(و) يستحب أن يعق (عمن مات بعد السابع والتمكن) من الذبح، وكموته بعد السابع: موته قبله؛ كما جزم به في "المجموع"] اهـ.

وقال الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (9/ 370، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [(يسن) سنة مؤكدة (أن يعق عن) الولد بعد تمام انفصاله وإن مات بعده؛ على المعتمد في "المجموع"، خلافًا لمَن اعتمد مقابله، لا سيما الأذرعي لا قبله فيما يظهر من كلامهم؛ لكن ينبغي حصول أصل السنة به؛ لأن المدار على عِلم وجوده وقد وُجِدَ] اهـ.

قال العلامة الشرواني محشِّيًا عليه في تحرير مذهب الشافعية: [غاية الأمر: أن في المسألة خلافًا جرى في "الروضة" على وجهٍ منه، وجرى عليه في "المجموع" هنا، لكنه في آخر الباب جرى على مقابله؛ فقال: لو مات المولود قبل السابع، استحبت العقيقة عندنا، خلافًا للحسن ومالك؛ فقوله: "عندنا" في مقابلة هذين الإمامين صريحٌ في أنَّ هذا هو المذهب. انتهى اهـ سم. عبارة "المغني"، و"الأسنى"، و"النهاية": ويسن أن يعق عمَّن مات قبل السابع، وبعد التمكن من الذبح اهـ] اهـ.

وقال علاء الدين المرداوي الحنبلي [ت: 885هـ] في "الإنصاف" (4/ 111، ط. دار إحياء التراث العربي): [ذبحها يوم السابع أفضل، ويجوز ذبحها قبل ذلك] اهـ.

وقال العلامة ابن عوض المرداوي الحنبلي [ت: 1140هـ] في "فتح وهاب المآرب" (2/ 111، ط. دار أطلس الخضراء): [قوله: (والسنة ذبحها) أي: العقيقة (في سابع يوم ولادته) ولو مات الولد قبله] اهـ.

وقال العلامة اللبدي الحنبلي في "حاشيته على نيل المآرب" (1/ 160، ط. دار البشائر): [رأيت في "حاشية ابن عوض" على هذا الكتاب ما نصه: قوله: والسنة ذبحها أي: العقيقة في سابع يوم من ولادته ولو مات الولد قبله.. اهـ؛ فهو نصٌّ فيما قُلْتُهُ، وعموم كلامهم يدل عليه، وهو مقتضى عموم الحديث] اهـ.

والقول باستحباب العقِّ عن المولود وإن مات بعد ولادته: فيه من الخير العميم والفضل العظيم الذي يعود على أبوي الطفل؛ فقد ورد في السنة المشرفة عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه واللفظ له في "السنن".

قال الإمام الصنعاني في "التحبير لإيضاح معاني التيسير" (7/ 655، ط. مكتبة الرشد): [اختلف العلماء في قوله: «مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ»؛ قال الخطابي: أجود ما فيه: ما ذهب إليه أحمد بن حنبل؛ قال: هذا في الشفاعة؛ يريد أنه إذا لم يعق، فمات طفلًا؛ لم يشفع في أبويه] اهـ. فأفاد أن الطفل الذي يُعق عنه يكون شفيعًا في أبويه يوم القيامة وسببًا لدخولهما الجنة.

وبناءً على ذلك: فالعقيقة عن الولد إنما تُشرع يوم السابع مِن ولادته إذا بقي حيًّا، أما إذا مات المولود قبل ذلك فلا يُعَقُّ عنه؛ كما هو مذهب المالكية ومقتضى مذهب الحنفية، ومع ذلك: إذا عُقَّ عنه؛ فإنه يحصل بذلك ثواب العقيقة؛ كما هو مذهب الشافعية والحنابلة.

وفي واقعة السؤال: فليس على الأب المذكور عقيقة عن هذا الولد ما دام قد مات قبل بلوغه سبعة أيام من ولادته ولو كان قد وُلِد حيًّا، لكن إذا عق عنه فله ثواب العقيقة، وتكون سببًا لشفاعة الولد في أبويه يوم القيامة؛ كما سبق بيانه.

والله سبحانه وتعالى أعلم. 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام