الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الأحاديث الواردة في فضل الجيش المصري

برجاء التكرم بإفادتنا رسميًّا وكتابيًّا عن مدى صحة هذه الأحاديث الشريفة: 
1. عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: حدثني عمر رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم في رباط إلى يوم القيامة».

2. «إذا فتح الله عليكم مصر استوصوا بأهلها خيرًا فإنه فيها خير جند الله».
3. «إن جند مصر من خير أجناد الأرض لأنهم وأهلهم في رباط إلى يوم القيامة».
المطلوب: حكم صحة الأحاديث معتمدة من حضرتكم، ومرفق طيه الطلب المقدم منا.. ولكم جزيل الشكر.

الإجابة

مدار هذه الأحاديث المذكورة على أن جند مصر هم خير أجناد الأرض؛ لأنهم في رباط إلى يوم القيامة، وعلى الوصية النبوية بأهلها؛ لأن لهم ذمة ورحمًا وصهرًا، وكلُّها معانٍ صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ تتابع على ذكرها وإثباتها أئمة المسلمين ومحدثوهم ومؤرخوهم عبر القرون سلفًا وخلفًا، ولا يقدح في صحتها وثبوتها ضعفُ بعض أسانيدها؛ فإن في أحاديثها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر الذي احتج به العلماء، وقد اتفق المؤرخون على إيراد هذه الأحاديث والاحتجاج بها في فضائل مصر من غير نكير.

ويجمع هذه المعانيَ: ما رواه سيدُنا عمرو بن العاص رضي الله عنه من أحاديث مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خُطبته الشهيرة التي خطب بها أهلَ مصر المحروسة على أعواد منبر مسجده العتيق بفسطاط مصر القديمة، وكان ذلك في نهاية فصل الشتاء وأول فصل الربيع حين يحتفل المصريون بما يُسَمَّى "شَمَّ النسيم" الموافق لأيام (حميم النصارى) أو "خميس العهد" عند المسيحيين؛ حيث كان يحض الناس في أواخر شهر مارس أو أوائل إبريل على الخروج للربيع، وكان يخطب بذلك في كل سنة. وقد سمعها منه المصريون وحفظوها، وتداولوها جيلًا بعد جيلٍ، ودونوها في كتبهم ومصنفاتهم، وصدَّروا بها فضائل بلدهم، وذكروا رواتَها في تواريخِ المصريين ورجالِهم كابرًا عن كابرٍ، وأطبقوا على قبولها والاحتجاج بها في فضائل أهل مصر وجندها عبر القرون؛ لا ينكر ذلك منهم مُنكِرٌ، ولا يتسلط على القدح فيها أحدٌ يُنسَبُ إلى علمٍ بحديثٍ أو فقهٍ؛ بل عدُّوها من مآثر خُطَب سيدنا عمرو رضي الله عنه ونفيس حديثه، ولم يطعن فيها طاعن في قديم الدهر أو حديثه.

وقد أسند عمرو بن العاص رضي الله عنه في هذه الخطبة الحديثَ المرفوع في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مصر خيرًا، عن عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مِصْرَ، فَاسْتَوْصُوا بِقِبْطِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مِنْهُمْ صِهْرًا وَذِمَّةً».

وأسند أيضًا الحديثَ المرفوع في فضل جند مصر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِذَا فَتَحَ عَلَيْكُمْ مِصْرَ؛ فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ»، فقال أبو بكر الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ وأبناءَهم فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

- وقد روى هذه الخطبةَ قاضي مصر الإمامُ الحافظ عبد الله بن لهيعة، ورواها عنه الإمامان الحافظان: أبو نُعيم إسحاق بن الفرات التُّجِيبيُّ، وأبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزومي.

فأخرجها مستوفاةً من طريق إسحاقَ بن الفرات عن ابن لهيعة: 

الإمامُ الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين [ت257هـ] في "فتوح مصر والمغرب" (ص: 166-167، ط. مكتبة الثقافة الدينية) فقال: حدثنا سعيد بن ميسرة، عن إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميرى، عن بحير بن ذاخر المعافري، قال: 

"رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرًا، وذلك آخر الشتاء، أظنّه بعد حميم النّصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع إذْ أقبل رجال بأيديهم السياط، يزجرون الناس، فذعرت، فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ قال: يا بنيّ هؤلاء الشُّرَطُ. فأقام المؤذّنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص رضي الله عنه على المنبر، فرأيت رجلًا ربعة قصد القامة وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب مَوْشِيَّةٌ كأنّ به العِقْيَان تأتلق عليه حلّة وعمامة وجبّة، فحمد الله وأثنى عليه حمدًا موجزًا وصلّى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحضّ على الزكاة، وصلة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفضول، وكثرة العيال. 

وقال فى ذلك: يا معشر الناس، إيّاي وخلالًا أربعًا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلّة بعد العزّة؛ إيّايَ وكثرةَ العيال، وإخفاضَ الحال، وتضييعَ المال، والقيلَ بعد القال، في غير درك ولا نوال، ثم إنه لا بدّ من فراغ يؤول إليه المرء فى توديع جسمه، والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقلّ، ولا يضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه فيحور من الخير عاطلًا، وعن حلال الله وحرامه غافلًا.

يا معشر الناس، إنه قد تدلّت الجوزاء، وذَكَت الشِّعْرَى، وأقلعت السّماء، وارتفع الوباء، وقلّ الندى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرّجت السخائل، وعلى الراعي بحسن رعيّته حسن النظر. فحيَّ لكم على بركة الله إلى ريفكم؛ فنالوا من خيره ولبنه، وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنّها جُنّتكم من عدوّكم، وبها مغانمكم وأثقالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرًا، وإيّاي والمشمومات والمعسولات، فإنهنّ يفسدن الدّين ويقصّرن الهمم.

حدثني عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مِصْرَ، فَاسْتَوْصُوا بِقِبْطِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مِنْهُمْ صِهْرًا وَذِمَّةً».

فعفّوا أيديكم وفروجكم، وغضّوا أبصاركم، ولا أعلمنّ ما أتى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه، واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه من غير علّة حططتُه من فريضته قدر ذلك، واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حوالكم وتشوّق قلوبهم إليكم وإلى داركم، معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.

وحدثني عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِذَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِصْرَ، فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ» فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمٍ الْقِيَامَةِ».

فاحمدوا الله معشر الناس على ما أولاكم، فتمتّعوا في ريفكم ما طاب لكم؛ فإذا يبس العود، وسخن العمود، وكثر الذباب، وحمض اللبن، وصوّح البقل، وانقطع الورد من الشجر، فحيَّ على فسطاطكم، على بركة الله، ولا يقدَمَنَّ أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته، أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم.

قال: فحفظت ذلك عنه، فقال والدي بعد انصرافنا إلى المنزل لمّا حكيتُ له خطبته: إنه يا بنيَّ يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط، كما حداهم على الريف والدّعة".

وأخرجها مستوفاةً أيضًا: حافظُ عصره وناقد دهره الإمامُ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني [ت385هـ] في "المؤتلف والمختلف" (2/1003-1004، ط. دار الغرب الإسلامي) فقال: حدَّثَنا أبو الحسن علي بن أحمد بن الأزرق المعدل, قال: حدثَنا محمد بن موسى بن عيسى الحضْرميّ, قال: حدثنا أبو محمد وفاء بن سُهَيْل بن عبد الرحمن الكندي سنة ثلاث وستين ومائتين, قال: حدثنا إِسحاق بن الفرات, قال: حدثنا ابن لَهِيعَة, عن الأَسْود بن مالك الحميري, عن بَحِير بن ذَاخِرٍ المَعَافِريّ، قال: ركبتُ أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة.. فساقها بتمامها، غير أنه قال في حديثها: «لِأَنَّهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمٍ الْقِيَامَةِ». 

ومن طريق الإمام الدارقطني أخرجها الإمامان الحافظان: أبو عبد الله النميري [ت544هـ] في "الإعلام بفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسلام" (ص: 83، ط. دار الكتب العلمية) حيث ساق أولها، وأبو القاسم بن عساكر [ت571هـ] في "تاريخ دمشق" (46/162، ط. دار الفكر) حيث ساقها بتمامها.

وأخرجها مختصرةً: الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزدي الحنفي [ت321هـ] في "شرح مشكل الآثار" (8/228، ط. مؤسسة الرسالة)؛ فقال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: حدثنا إسحاق بن الفرات قال: حدثنا ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري، عن بحير بن ذاخر المعافري، أنه سمع عمرو بن العاص رضي الله عنه في خطبته يوم الجمعة يقول: "يا معشر الناس، إياي وخلالا أربعًا؛ فإنهن يدعون إلى النصب بعد الراحة, وإلى الضيق بعد السعة, وإلى المذلة بعد العزة: إياك وكثرة العيال، وإخفاض الحال، والتضييع للمال، والقيل بعد القال، في غير درك ولا نوال".

وأخرجها مستوفاةً من طريق يحيى بن بُكَير عن ابن لهيعة: 

الإمامُ المؤرخ أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي الفقيه [ت387هـ] في "فضائل مصر وأخبارها" (ص: 83، ط. مكتبة الخانجي) فقال: حدثنا علي بن أحمد بن سلامة، قال: حدثني عبد الملك بن يحيى بن بكير قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري، عن بحير بن ذاخر المعافري.. فساقها بتمامها، غير أنه قال فيها: «لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمٍ الْقِيَامَةِ».. وقال في آخرها: "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم"، قال: فحفظتُ ذلك عنه، قال: فقال والدي بعد انصرافنا إلى المنزل لمّا حكَيْتُ له خطبته: يا بني! إنه يحدو الناس على الرباط كلما انصرفوا، كما حداهم على الريف والدعة. وكان يخطب بها في كل سنة.

وأخرجها الإمام الحافظ المؤرخ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي [ت347هـ] في "تاريخ مصر"؛ حيث عزا إليه العلامة المقريزي في "إمتاع الأسماع" (14/185، ط. دار الكتب العلمية) تخريج الحديث المرفوع في فضل جندها، وعزا إليه الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: 610، ط. دار الكتاب العربي) تخريج الحديث المرفوع في الوصية النبوية بأهلها.

وأخرجها مختصرةً: الإمام الحافظُ أبو القاسم هبة الله بن عساكر الدمشقي في "تاريخ دمشق" (46/161)؛ فقال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، قال: أخبرنا أبو الحسين بن النقور، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن نصر بن طالب، قال: حدثنا أبو الوليد عبد الملك بن يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري، قال: حدثنا أبي، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك، عن بحير بن ذاخر، قال: رحت مع أبي إلى الجمعة، فأقبل قوم معهم السياط ومعهم رجل قصير القامة عظيم الهامة عليه ثيابُ وَشْيٍ تأْتَلِق، وإذا هو عمرو بن العاص رضي الله عنه، فخطب؛ فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووعظ موعظة بليغة موجزة، ثم قال: "أيها الناس! إيايَ وقيل وقال، في غير درك ولا نوال"، وذكر عبد الملك خطبة طويلةً، وذكر فيها قال: "وحدثني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ»، قال: فقال لي أبي: يا بُنَيَّ هذا الأمير عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: فأعدتُ الخطبةَ على أبي فعجب مِن حفظي لها، أو فأُعجِبَ بحفظي.

ومدار إسناد هذه الخطبة على الإمام الكبير؛ قاضي مصر وعالمها، ومحدثها وفقيهها، العلّامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن لَهِيعة بن عقبة الحضرمي [ت174هـ]، وكان من أوعية العلم وبحوره، وهو مقدَّمُ أهل مصر في الحديث والفقه والفتوى مع الإمام الليث بن سعد [ت175هـ] رحمهما الله تعالى، وكانا في الحديث كفرسَيْ رِهانٍ، بل إن ابن لهيعة فاق الليث في كثرة من أدركهم من التابعين؛ فقد كان طلّابًا للحديث جمّاعةً له، وهو صاحبُ حديث المصريين وأعلمُ الناس به، وقد وثَّقه أهل مصر وهم أدرى الناس به، وكان كبار المحدِّثين يتمنَّوْنَ الأخذَ عنه، وروَى عنه جماعةٌ من كبار الأئمة؛ كالإمام الأوزاعي، وسفيان الثوري، وأمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج، وإمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه، وإمام مصر الليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك، وعمرو بن الحارث، وراوي "الموطأ" يحيى بن يحيى النيسابوري وغيرهم، ومنهم من لم يكن يروي إلا عن ثقة؛ كشعبة ومالك رحمهما الله تعالى، وروى عنه إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل بواسطةٍ، وروى له الشيخان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" مقرونًا بغيره، ووثَّقه كثير من المحدِّثين، وضعّفه بعضهم. والذي عليه التحقيق: أن رواياته مقبولة وأن حديثه حسنٌ أو صحيحٌ، وأن الضعف في بعض رواياته إنما أتى مِن جهة مَن روى عنه لا مِن قِبَله هو، ولو ادُّعِيَ أن بعض المحدثين أطلق القول بتضعيفه فهذا معارَضٌ بتوثيق كبار الأئمة له وروايتهم عنه:

فكان ابن لهيعة مشتغلًا بحديث المصريين وكل من ورد على مصر؛ حتى كان يقول: "كانت لي خريطة أضع فيها القراطيس والدواة والحبر، وأدور على القبائل والمساجد؛ أسأل رجلًا رجلًا: ممن سمعتَ؟ ومَن لَقِيتَ؟" اهـ أسنده المنتجالي في "تاريخه" عن قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، ونقله الحافظ مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال" (8/148، ط. الفاروق الحديثة).

وقال رَوْحُ بن صلاح: "لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًّا، ولقي الليث بن سعد اثني عشر تابعيًّا" خرّجه الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/141).

وقيل لأحمد بن صالح: أيما أحب إليك: حديث ابن لهيعة الذي رواه الثقات، أو حديث يحيى بن أيوب؟ فقال: كان يحيى حافظًا وفي بعض أحاديثه شيء، وحديث ابن لهيعة أصح. فقيل له: فحديث الليث وابن لهيعة؟ فقال: "ابن لهيعة رَاوِيةُ المصريين، وأي شيء عند الليث من حديث مصر؟ كان ابن لهيعة من الثقات، إذا لقن شيئا يحدثه" اهـ نقلا عن "إكمال تهذيب الكمال" (8/144).

وعن قتيبة بن سعيد قال: حضرتُ موتَ ابنِ لهيعة فسمعت الليثَ يقول: "ما خلَّف مثلَه"، خرَّجه ابن حبان في "المجروحين" (2/12، ط. دار الوعي).

وعن إمام أهل العلل والجرح والتعديل الإمام الحافظ علي بن المديني أنه قال: "رجلان هما صاحبا حديث أهل بلدهما: إسماعيل بن عياش، وعبد الله بن لهيعة"، خرّجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (7/186، ط. دار الغرب الإسلامي).

وروى الإمام النسائيُّ، عن الإمام أبي داود، عن الإمام أحمد بن حنبل قال: "مَن كان بمصر يشبه ابنَ لهيعة في ضبط الحديث وكثرته وإتقانه! ما كان محدثُ مصرَ إلا ابنَ لَهِيعة". خرَّجه الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/145)، وروى نحوَه أبو عُبيد الآجريُّ في "سؤالاته" عن الإمام أبو داود (2/175، ط. مؤسسة الريان)، وزاد: "وحدَّث عنه أحمد بحديث كثير" اهـ، وقد روى عنه الإمام أحمد في "المسند" أكثر من سبعمائة حديث.

وخرَّج ابن حبان في "المجروحين" (2/12) عن إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر قال: "أنا حملت رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، فجعل مالك يسألني عن ابن لهيعة وأُخبِرُه بحاله، فجعل يقول: فابن لهيعة ليس يذكر الحج؟ فسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته والسماع منه" اهـ. 

وقال الحافظُ البيهقي -كما في "النفح الشذي" للحافظ العراقي (2/853، ط. دار العاصمة)-: [كان مالكٌ يُحَسِّنُ القولَ في ابن لهيعة] اهـ. وكذا قال الإمامُ السهيلي في "الروض الأنف" (2/286، ط. دار إحياء التراث العربي).

وقد روى الإمام مالك عن ابن لهيعة ووثقه؛ فإنه روى في "الموطأ" حديثين عن (الثقة)، وصرح باسمه فيهما خارج "الموطأ"؛ فهو ثقةٌ عنده قولًا وفعلًا:

فأما الحديث الأول: فأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ».

قال الحافظ ابن عدي في "الكامل" بعد أن أخرجه من طريق أبي مصعب الزهري عن مالك (5/252): [هكذا ذكره أبو مصعب عن مالك عن الثقة عن عَمْرو بن شُعَيب، وبعض أصحاب الموطأ يذكرون عن مالك قال: بلغني عن عَمْرو بن شُعَيب، ويقال: إن مالكًا سمع هذا الحديث من ابن لَهِيعَة عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيب، ولم يُسمِّه لضعفه، والحديثُ عن ابن لَهِيعَة عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيب مشهورٌ] اهـ.

وقال الحافظ ابن عبد البر في "الاستذكار" (6/263، ط. دار الكتب العلمية): [هكذا قال يحيى في هذا الحديث: عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب، وقال ذلك جماعة من رواة "الموطأ" معه. وأما القعنبي والتنيسي وابن بكير وغيرهم فقالوا فيه: عن مالك أنه بلغه أن عمرو بن شعيب، والمعنى فيه عندي سواء؛ لأنه كان لا يروي إلا عن ثقة.

وقد تكلم الناس في الثقة عند مالك في هذا الموضع، وأشبه ما قيل فيه: أنه ابن لهيعة والله أعلم؛ لأن هذا الحديث أكثر ما يعرف عند ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب] اهـ.
وقال الحافظ البيهقي في "السنن الكبرى" (5/559، ط. دار الكتب العلمية): [ويقال: إن مالكًا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة, عن عمرو بن شعيب. والحديث عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مشهور] اهـ.

وقد صرَّح الإمام مالك في هذا الحديث بالرواية عن ابن لهيعة؛ وذلك من طريقين عنه:
- من طريق عبد الله بن وهب، عن مالك؛ فيما أخرجه الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (24/177، ط. وزارة الأوقاف المغربية).

- ومن طريق محمد بن معاوية النيسابوري؛ فيما أخرجه الحافظ أبو أحمد الحاكم [ت378هـ] في "عوالي مالك" (1/189، ط. دار الغرب الإسلامي)، والإمام أبو موسى المديني [ت581هـ] في "اللطائف من علوم المعارف" (ص: 282، ط. مخطوط).

وأما الحديث الثاني: فأخرجه الإمام مالك في "الموطأ": عن الثقة عنده، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عبد الرحمن بن الحُبَاب الأنصاري، عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يُشرَب التمرُ والزبيبُ جميعًا، والزهوُ والرُّطَبُ جميعًا. 
قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (24/205): [هكذا روى هذا الحديثَ عامةُ رُواةِ الموطأ كما رواه يحيى، وممن رواه هكذا: ابنُ عبد الحكم، والقعنبيُّ، وعبد الله بن يوسف، وابن بكير، وأبو المصعب، وجماعتهم.

ورواه الوليد بن مسلم عن مالك عن ابن لهيعة عن بكير بن الأشج.. ثم ساقه من طريقه] اهـ.
وكذا أسنده الحافظ أبو القاسم المهرواني [ت468هـ] -فيما خرجه الحافظ الخطيب البغدادي في "المهروانيات" (2/553-554، ط. الجامعة الإسلامية)- من طريق الوليد بن مسلم عن الإمام مالك مصرحًا فيه بالرواية عن ابن لهيعة.

وتوثيق ابن لهيعة هو الذي اعتمده المالكية عن الإمام مالك رضي الله عنه؛ قال العلامة الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (1/195، ط. دار الفكر): [ابن حارث عن ابن وهب: رجع مالك عن إنكاره لوجوبه لما أخبرته بحديث ابن لهيعة «كان صلى الله عليه وآله وسلم يخللهما في وضوئه» انتهى -يعني: الأصابع-.. وفيما ذكره ابن وهب دليل على الاحتجاج بحديث ابن لهيعة] اهـ.

بل هذا هو الذي اعتمده أرباب المذاهب الفقهية المتبوعة؛ حتى قال الحافظ أبو محمد بن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" (4/220، ط. دار الآفاق الجديدة): [ولا أحصي كم وجدتُ للحنفيين والمالكيين والشافعيين تصحيحَ روايةِ ابن لهيعة] اهـ.

وقال الحافظ ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/251، ط. الكتب العلمية)؛ مؤكِّدًا سماع الإمام مالك، وغيره من الأئمة؛ كشعبة، والثوري، والليث، من ابن لهيعة: [حديثه أحاديث حسان، وما قد ضعفه السلف هو حسن الحديث يكتب حديثه، وقد حدث عنه الثقات: الثوري، وشعبة، ومالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد] اهـ، ومن المقرر أن الإمام مالكًا لم يكن يروي إلا عن ثقة، وكذا شعبة بن الحجاج؛ قال الإمام علي بن المديني: قال سمعت سفيان بن عيينة يقول: "ما كان أشدَّ انتقادَ مالك للرجال وأعلمَه بشأنهم"، خرَّجه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/23، ط. دائرة المعارف العثمانية)، وخرّجه أبو نعيم في "الحلية" (6/322، ط. دار الفكر) عن علي بن المديني قال: حدثنا سفيان قال: "كان مالك ينتقي الرجال ولا يحدث عن كل أحد"، قال علي: "ومالكٌ أمانٌ فيمن حدَّث عنه من الرجال؛ كان مالكٌ يقول: لا يُؤخَذ العلم إلا عن من يَعرِف ما يقول"، وقال الإمام أحمد بن حنبل: "كان شعبةُ أمةً وحدَه في هذا الشأن"؛ يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتَثَبُّتِه، وتَنْقِيَتِه للرجال، رواه عنه ابنه عبد الله في "العلل" (2/539، ط. دار الخاني)، وقال الإمام الزركشي في "النكت على مقدمة ابن الصلاح" (3/370-371، ط. أضواء السلف): [الذي عادته لا يروي إلا عن ثقة ثلاثة: يحيى بن سعيد، وشعبة، ومالك. قاله ابن عبد البر وغيره، وقال النسائي: ليس أحدٌ بعدَ التابعين آمَنَ على الحديث مِن هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواية عن الضعفاء منهم] اهـ.

وأخرج الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/143، ط. دار الفكر) عن الإمام سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث أنه قال: [عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع] اهـ، وقال: [حججتُ حِجَجًا؛ لِأَلْقى ابنَ لهيعة] اهـ.

وأخرج ابن عساكر أيضًا في "تاريخ دمشق" (32/143) عن الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: [ودِدت أني سمعتُ من ابن لهيعة خمسمائة حديث، وأني غرمتُ مؤدًّى] اهـ؛ أيْ: قدرَ دِية.

والإمام ابن لهيعة قد وثَّقه المصريون وحمِدوا روايته، ودفعوا دعوى اختلاطه، وصرَّحوا بأن الضعف إنما هو ممن روى عنه لا منه؛ كابن وهب، ويحيى بن حسان، والنضر بن عبد الجبار، وعثمان بن صالح، وسعيد بن أبي مريم، وأحمد بن صالح، وهم من كبار محدِّثي مصر وثقاتهم. وهؤلاء هم أهل بلده، وقد تقرر عند المحدثين والمؤرخين أن أهل بلد الراوي أعلمُ الناس به، قال حماد بن زيد: "بلَدِيُّ الرجل أعرف بالرجل"، أخرجه الخطيب في "الكفاية" (1/275، ط. دار ابن الجوزي):

فأخرج ابن عدي في "الكامل" (5/239) عن أبي الطاهر أحمد بن السَّرح قال: سَمعتُ ابن وهب (وهو الإمام عبد الله بن وهب [ت197هـ] تلميذ الإمام مالك) يقول، وسأله رجل عن حديث فحدثه به، فقال له الرجل: من حدثك بهذا يا أبا محمد؟ قال: "حدثني به والله الصادق البار عبد الله بن لهيعة"، زاد المزي في "تهذيب الكمال" (15/495، ط. مؤسسة الرسالة): قال أبو الطاهر: "وما سمعتُه يحلف بمثل هذا قط" اهـ.

وقال الإمام يحيى بن حسّان [ت208هـ]: "ما رأيت أحفظ من ابن لهيعة بعد هُشَيْم"، فقال له ابنُه: إن الناس يقولون: احترق كتبُ ابن لهيعة، فقال: "ما غاب له كتابٌ"، خرّجه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (5/148).

وقال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار [ت219هـ]: "كنا نرى أنه لم يَفُتْهُ من حديث مصرَ كبيرُ شيء"، أخرجه ابن عدي في "الكامل" (5/237).

وقال ابن معين في "تاريخه- رواية ابن محرز" (1/101، ط. مجمع اللغة العربية): [قال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار المصري وكان ثقة: ما اختلط ابن لهيعة قط حتى مات] اهـ.

وهذا عثمان بن صالح السهمي [ت219هـ] يسأله ابنه يحيى قائلًا له: متى احترقت دار ابن لهيعة؟ فقال: "في سنة سبعين ومائة"، قلت: واحترقت كتبه كما تزعم العامة؟ فقال: "معاذ الله، ما كتبتُ كتابَ عمارة بن غزية إلا مِن أصل كتاب ابن لهيعة بعد احتراق داره، غير أن بعض ما كان يقرأ منه احترق وبقيت أصول كتبه بحالها"، أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (2/293، ط. دار المكتبة العلمية).

وقال سعيد بن أبي مريم الجُمَحي [ت224هـ]: "لم تحترق كتب ابن لهيعة، ولا كتاب، إنما أرادوا أن يرققوا عليه أمير مصر، فأرسل إليه أمير مصر بخمس مئة دينار"، خرّجه الآجري في "سؤالاته للإمام أبي داود" (2/175).

وقال الحافظ أبو جعفر أحمد بن صالح المصري [ت248هـ]: "كان ابن لهيعة طلّابًا للعلم صحيحَ الكتاب، وكان أملى عليهم حديثه مِن كتابه قديمًا، فكتب عنه قوم يعقلون الحديث وآخرون لا يضبطون، وقوم حضروا فلم يكتبوا وكتبوا بعد سماعهم، فوقع علمه على هذا إلى الناس، ثم لم تخرج كتبه وكان يقرأ من كتب الناس، فوقع في حديثه إلى الناس على هذا، فمن كتب بأَخَرَةٍ من كتاب صحيح قرأ عليه على الصحة، ومَن كَتَبَ مِن كتابِ مَن كان لا يضبط ولا يصحح كتابه وقع عنده على فساد الأصل". خرّجه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/184، ط. مؤسسة الرسالة).

ونقل الحافظ أبو حفص عمر بن شاهين [ت385هـ] في "المختلف فيهم" (ص: 47، ط. مكتبة الرشد): عن أحمد بن صالح أنه سئل عن ابن لهيعة، فقال: ثقة، قيل له: فيما روى الثقات عن ابن لهيعة، ووقع فيها تخليط، ترى أن نطرح ذلك التخليط؟ قال: ثقة، ورفع بابن لهيعة.
ثم قال الحافظ ابن شاهين: "والقولُ في ابن لهيعة عندي قولُ أحمد بن صالح؛ لأنه من بلده ومن أعرف الناس به وبأشكاله من المصريين، وقد حدَّث شعبة بن الحجاج عن ابن لهيعة".
وفي تاريخ يحيى بن معين (ص: 97، ط. دار المأمون) أنه سُئِل عن ابن لهيعة؛ فقيل له: فهذا الذي يحكي الناسُ أنه احترقت كتبه؟ قال: "ليس لهذا أصلٌ؛ سألت عنها بمصر".

وأخرج ابن عساكر (32/147) عن أبي أمية، عن أبيه، قال: قال أبو زكريا: "أنكر أهل مصر احتراق كتب ابن لهيعة، والسماع منه واحد القديم والحديث" زاد الدورقي: "إلى آخره" اهـ.
وقال الإمام ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (7/516، ط. دار صادر): [وأما أهل مصر فيذكرون أنه لم يختلط، ولم يزل أول أمره وآخره واحدًا] اهـ.

وأخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/144) عن خالد بن خِداش قال: قال لي ابن وهب، ورآني لا أكتب حديث ابن لهيعة: "إني لست كغيري في ابن لهيعة فاكتبها" اهـ.

ومما يدل على صحة رواية ابن لهيعة وأن الضعف إنما هو من جهة الرواة عنه: ما أخرجه ابن عساكر (32/147) عن إبراهيم بن الجنيد قال: قال لي يحيى بن معين: "قال لي أهل مصر: ما احترق لابن لهيعة كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات" اهـ. 

وهذا يدل على استواء أمره طيلة حياته وأن المعوَّل في قبول روايته على صحة الرواية عنه، ويَرُدُّ دعوى الإجماع على رد روايته بعد احتراق كتبه أو اختلاطه؛ فإنه لا نزاع بين المحدِّثين في قبول رواية عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة، وابن وهب لم يزل يكتب عن ابن لهيعة حتى مات، ولم يَرِدْ أنه ترك الرواية عنه في وقت من الأوقات، وهذا ما قرره الحافظ ابن عدي في "الكامل" (5/253)؛ حيث قال فيه: [حديثه حسن؛ كأنه يسْتَبان عمَّن روى عنه، وهو ممن يُكتب حديثُه] اهـ.

والتحقيق الذي عليه جماهير المحدِّثين ومحققوهم قديمًا وحديثًا: أن حديثه صحيح أو حسن إذا لم يكن الراوي عنه ضعيفًا.

ولقد صحح جماعات من كبار المحدِّثين قديمًا وحديثًا أحاديث ابن لهيعة، وحسَّنوها؛ منهم:
الإمام مالك رضي الله عنه، وتلميذه عبد الله بن وهب، وبَلَدِيُّوه المصريون، والإمام أحمد رضي الله عنه، والإمام الترمذي في "سننه"، والحافظ الدارقطني في "العلل"، و"السنن"، والحافظ أبو سعد الخركوشي في "شرف المصطفى"، وحسَّن له الحافظ الذهبي في "السير" من رواية غير العبادلة عنه، واحتج بحديثه في "التنقيح"، وقوّى له الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" أحاديث من غير طريق العبادلة عنه، وحسَّن حديثَه الحافظُ الهيثمي في "مجمع الزوائد" ونقل الاحتجاجَ به وتحسين حديثه عن جماعة من العلماء، والحافظ العيني في "عمدة القاري"، والحافظ السيوطي في "حسن المحاضرة"، والعلامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج"، وغيرهم كثير.

قال إمام أهل الحديث في عصره الحافظ أبو الحجاج المزي [ت742هـ]: [ابن لهيعة من الأئمة الحفاظ.. وإنما تكلم فيه من تكلم بسبب الرواة عنه؛ فمنهم من هو عدلٌ؛ كابن المبارك ونحوه، ومنهم من هو غير عدل، فإن كان الذي روى عنه عدل فهو جيدٌ، وإلا كان غير عدل فالبلاء ممن أخذه عنه] اهـ نقلا عن "النكت على مقدمة ابن الصلاح" للإمام الزركشي (3/600).

وصحّح حديثَه العلامةُ المحدِّث أحمد شاكر؛ فقال في تعليقه على "سنن الترمذي" (1/15، ط. الحلبي): [وهو ثقة صحيح الحديث، وقد تكلم فيه كثيرون بغير حجة من جهة حفظه، وقد تتبعنا كثيرًا من حديثه، وتفهمْنا كلام العلماء فيه، فترجح لدينا أنه صحيح الحديث، وأن ما قد يكون في الرواية في الضعف إنما هو ممن فوقه، أو ممن دونه، وقد يخطئ هو كما يخطئ كل عالم وكل راوٍ] اهـ، وقال في تحقيقه لمسند الإمام أحمد (1/202، ط. دار الحديث): [وهو ثقة تكلموا فيه من قبل حفظه بعد احتراق كتبه، ونحن نرى تصحيح حديثه إذا رواه عنه ثقة حافظ من المعروفين] اهـ.

وهذه الخطبة يرويها عن ابن لهيعة إمامان جليلان ثقتان ثبتان، لا مطعن في روايتهما عنه: 
أولهما: الإمامُ القاضي أبو نُعيم إسحاق بن الفرات التُّجِيبي [ت204هـ]، وكان فقيهًا حافظًا؛ قرأ الموطأ بمصر من حفظه فما أسقط منه حرفًا، وهو من كبار أصحاب الإمام مالك، ورشّحه الإمام الشافعي لولاية القضاء، وقال عنه: لم يكن بمصرَ أحدٌ أعلم باختلاف العلماء منه، وقال ابن عبد الحكم: ما رأيت فقيهًا أفضل منه. وهو من قدماء الرواة عن ابن لهيعة؛ فإنه وُلد سنة خمس وثلاثين ومائة، وذلك قبل ميلاد جماعة ممن وُصِفُوا بقدم الرواية عن ابن لهيعة؛ كأشهب بن عبد العزيز، ومروان الطاطري، وقتيبة بن سعيد، وكامل الجحدري، وسعيد بن عُفَير، وغيرهم، بل إنه شارك ابن لهيعة في الرواية عن بعض شيوخه؛ كأبي هانئ حميد بن هانئ الخولاني المصري [ت142هـ]؛ كما ذكر ابن يونس في "تاريخه" (ص: 140، ط. دار الكتب العلمية)، وابن الجوزي في "المنتظم" (8/38، ط. دار الكتب العلمية).
وثانيهما: الإمام المحدِّث الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزومي [ت231هـ]، من رجال الصحيحين، وهو تلميذ الإمامين مالك والليث، سمع منهما فأكثر؛ حتى سمع الموطأ من الإمام مالك سبع عشرة مرة، وهو محدث مصر الإمام الحافظ الثقة، وكان غزير العلم عارفًا بالحديث وأيام الناس، بصيرًا بالفتوى، صادقًا ديِّنًا؛ كما يقول الحافظ الذهبي، وكان عالمًا بأحوال الإمام ابن لهيعة ومحدِّثي أهل عصره، وبلغ من إتقانه وضبطه للرواية أن قال فيه الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (10/614، ط. مؤسسة الرسالة): "قد احتج به الشيخان، وما علمتُ له حديثًا منكرًا حتى أُوردَه" اهـ، وهذا ظاهرٌ في انتفاء النكارة عن هذه الرواية وغيرها مما رواه.

وهذه الخطبة لعمرو بن العاص رضي الله عنه: يرويها الإمامُ عبد الله بن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحِمْيَرِي، عن بَحِير بن ذاخر المَعَافِري، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

فأمّا بَحِيرُ بنُ ذَاخِر: فهو التابعي الثقة الجليل أبو علي بَحِيرُ بنُ ذَاخِرِ بنِ عامِر المَعَافِرِيّ الناشِريّ المصريّ، وهو "من تابعي أهل مصر"؛ كما يقول الإمام أبو حاتم الرازي في "الجرح والتعديل" (2/411)، وهو صاحب عمرو بن العاص رضي الله عنه؛ كما يصفه الحافظ ابن حجر في "تبصير المنتبه" (1/60، ط. المكتبة العلمية)، ومجالستُه لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ثابتةٌ في "فتوح مصر والمغرب" لابن عبد الحكم (ص: 166)، وسماعه منه ثابتٌ في كتاب "الطهور" لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص: 300، ط. مكتبة الصحابة).
وهو يروي عن جماعة من الصحابة؛ منهم: عمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ومَسْلَمَةُ بنُ مُخَلَّدِ بنِ الصامتِ الأنصاريُّ الخزرجيُّ رضي الله عنه -وكان سيّافًا له-، وعُقبةُ بن نافع القرشي رضي الله عنه -وفي صحبته خلاف-، ويروي أيضًا عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم؛ كما في "تاريخ ابن يونس" (1/58، ط. دار الكتب العلمية)، وكان مِن حَرَسِ عبد العزيز بن مروان؛ كما في ترجمة بَحِيرٍ مِن "التاريخ الكبير" للإمام البخاري (2/138، ط. دائرة المعارف العثمانية).

وقد حدَّث عنه جماعة؛ منهم: ابنه عليُّ بن بَحِير، وعبد الله بن لهيعة، والأسود بن مالك؛ كما في "تاريخ ابن يونس" (1/58)، وروى عنه غيرُهم أيضًا؛ كما ذكر الحافظ الذهبي في "تاريخ الإسلام" (3/211، ط. دار الغرب الإسلامي).

وهو ثقة جليل لم يطعن فيه طاعنٌ بجهالة أو جرح؛ فقد وثَّقه الحافظ ابن حبان؛ حيث ذكره في ثقات التابعين من كتابه "الثقات" (4/81، ط. دائرة المعارف العثمانية)، ووثَّقه الحافظ ابن قُطْلُوْبَغَا الحنفي [ت879هـ] في كتابه "الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة" (3/6، ط. مركز النعمان).

ومما يدل على ثقة بَحِيرٍ وضبطه وإتقانه: أنه سمع خطبةَ عمرو بن العاص رضي الله عنه مع أبيه ذَاخِرٍ، ثم أعادها عليه كما سمعاها، حتى عجب أبوه من حفظه لها وإتقانه لعباراتها، وهذا من دلائل ضبطه وجودة روايته.

ويرويها عن بَحِيرِ بن ذاخرٍ: الأسودُ بنُ مالك الحِمْيَرِيّ، وروايتُه عن بَحِير معروفة؛ فقد ذكره أهل التراجم وأصحاب التواريخ في الرواة عنه؛ كما في "تاريخ ابن يونس" (1/58)، وكما في "الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب" للأمير الحافظ ابن ماكولا (1/197، 3/374، ط. دار الكتب العلمية)، وكما في "تهذيب مستمر الأوهام" له أيضًا (ص: 96، ط. دار الكتب العلمية)، وكما في "تاريخ الإسلام" للحافظ الذهبي (3/211)، وكما في "الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة" للحافظ ابن قطلوبغا (3/6). 
والأسود بن مالك وإن لم يُذكَرْ له راوٍ غيرُ ابن لهيعة إلا أنه معروفٌ عند أهل مصر بروايته خطبةَ عمرو بن العاص رضي الله عنه عن بَحِيرِ بن ذاخر المَعَافريّ، ولا يُعرَف لها راوٍ غيره، وقد أثبت المحدِّثون رواية بَحِيرٍ لهذه الخطبة عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهذا يدل على إثباتهم وقبولهم روايةَ الأسود لها عنه؛ فإنه لا يرويها عنه غيرُه، ولو كانت رواية الأسود مردودة لَمَا صحَّ جزمُ المُحدِّثين وأصحاب التواريخ والتراجم برواية بَحيرٍ لها:

قال الحافظ أبو سعيد بن يونس [ت347هـ] في "تاريخه" (1/58): [بَحِيرُ بنُ ذاخِر بن عامر المعافرىّ، ثم النّاشرىّ: حدث عن عمرو بن العاص، وابنه، ومسلمة بن مخلد، وعقبة بن نافع. حدث عنه: الأسودُ بن مالك الحميرىّ، وابنُ لهيعة، وكان سيّافا لمسلمة، وروى أيضًا عن عبد العزيز بن مروان. روى عنه ابنُه علي بن بَحِير بن ذاخر] اهـ.

وقال في موضع آخر من "تاريخه" (1/212): [سعيد بن ميسرة بن جنادة: يكنى أبا عثمان، كان عالما بأخبار مصر، روى عنه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم خطبةَ عمرو بن العاص رضي الله عنه] اهـ، ونقله الحافظ ابن ماكولا في "الإكمال" (2/154) معتمدًا إيّاه.

وقال الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (1/157): [بَحِير بن ذاخِر, عن عَمْرو بن العاص رضي الله عنه: الخطبة التي خطبها بمصرَ] اهـ.

وقال الدارقطني في موضع آخر من "المؤتلف والمختلف" (2/1002): [وبَحِير بن ذَاخِر, يَرْوي عن عَمْرو بن العاص رضي الله عنه خطبته بالفسطاط] اهـ، ثم أسندها عنه بتمامها كما سبق إيراده.

وقال العلّامة المتقي الهندي في "كنز العُمّال" (14/168، ط. مؤسسة الرسالة): [لم أرَ للأسود ترجمة، إلا أن ابن حبان ذكر في "الثقات" أنه يروي عن بحير بن ذاخر، ووثق بحيرًا] اهـ.

فإن قيل: الأسود بن مالك لم يرو عنه إلّا واحد، وهذا يقتضي كونه مجهولًا مردود الرواية.
فالجواب: أن المحققين من أهل الحديث، في القديم والحديث، قد نَصُّوا على أن رواية الإمام العدل عن المجهول غير المجروح، في مقام الاحتجاج: كافيةٌ في تَقْوِيَتِه وتعديله، كأبي حاتم وأبي زرعة الرازيَّيْن، وابن خزيمة وابن حبان، وهو ظاهر صنيع الشيخين البخاري ومسلم في بعض أحاديث الوحدان، وهو قول الحنفية، وعزاه الإمام النووي في "شرح مسلم" لكثيرين من المحققين، واستظهره الإمام الزركشي وجزم به الحافظُ السخاوي، وغيرهم.

فأودع الحافظ ابن البرقي المصري [ت249هـ] كتابَه "الطبقات" بابًا سمّاه: (باب من لم تشتهر عنه الرواية واحتُمِلَتْ روايتُه لرواية الثقات عنه)، ذكره الحافظ مغلطاي في "الإكمال" (10/6).

وقال الحافظ ابن أبي حاتم [ت327هـ] في "الجرح والتعديل" (2/36، ط. الهند): [باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تُقوِّيه، وعن المطعون عليه أنها لا تُقوِّيه..

سألتُ أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفا بالضعف لم تُقَوِّه روايتُه عنه، وإذا كان مجهولا نفعه روايةُ الثقة عنه..

سألتُ أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوى حديثه؟ قال: أي لعمري، قلتُ: الكلبي روى عنه الثوري؟ قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتَكَلَّم فيه] اهـ.

وقال الإمام الزركشي في "النكت على مقدمة ابن الصلاح" (3/390): [والظاهر أن رواية إمام ناقل للشريعة عن رجل في مقام الاحتجاج كافٍ في تعريفه وتعديله، وقد سبق أن البزار وابن القطان على أن رواية الجلة عن الشخص تثبت له العدالة] اهـ.

وقال الإمام الحافظ السخاوي في "فتح المغيث" (2/47-53): [وقد قَبِلَ أهلَ هذا القسمِ مطلقًا مِن العلماء مَن لم يشترط في الراوي مزيدًا على الإسلام، وعزاه ابن الموّاق للحنفية.. وهو لازمُ كلِّ مَن ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها عن الراوي تعديل له، بل عزا النووي في مقدمة شرح مسلم لكثيرين من المحققين الاحتجاج به. وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور. وإليه يومئ قول تلميذه ابن حبان..

وبالجملة: فرواية إمام ناقل للشريعة لرجل ممن لم يرو عنه سوى واحد في مقام الاحتجاج كافية في تعريفه وتعديله] اهـ.

ثم إن ابن لهيعة بلَدِيُّ الأسود، كلاهما من أهل اليمن؛ فإن ابن لهيعة غافقيٌّ حضرميٌّ، والأسود بن مالك حميريٌّ، والمرء أعرف بأهل بلده.

وهذا يقتضي أن روايةَ عالمِ مصر وإمامِها وقاضيها وفقيهِها ومُحدِّثِها؛ عبدِ الله بن لهيعة الحضرمي، عن بَلَدِيِّه الأسود بن مالك الحميري، مما يرفع وصف الجهالة أو حكمَها عنه؛ فإن ابن لهيعة هو "محدِّثُ مصر، الذي لا يشبهه أحد بها في ضبط الحديث وإتقانه"؛ كما يقول الإمام أحمد بن حنبل، و"رَاوِيَةُ المصريين"؛ كما يقول أحمد بن صالح، و"صاحب حديث أهل بلده"؛ كما يقول علي بن المديني، والذي "عنده الأصول"؛ كما يقول سفيان الثوري، والذي "ما خلَّف مثلَه"؛ كما يقول الليث بن سعد، و"الصادق البار"؛ كما أقسم بذلك عبد الله بن وهب، ثم هو على ذلك قاضي مصر المشتغل بمعرفة تواريخها وتتبع فضائلها ونقل أخبارها في القديم والحديث غيرَ مُدافَعٍ. ومن كان بهذه المثابة فغير مُستَنكَرٍ في حقه ولا بمُسْتَكثَرٍ عليه أن ينفرد في فضائل أهل بلده بما لا يرويه غيره.

كما أن الأسود بن مالك من أهل القرون المفضلة؛ فإنه من طبقة أتباع التابعين، والظن الحسن ألْيَقُ بهم، ومظنة التوثيق فيهم غالبة، بل هي الأصل فيهم؛ لِمَا أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ». وقد نص العلماء على أن المجهول من أهل القرون المفضلة جهالة مطلقةً يُستأنَس بروايته ويُستضاءُ بها، فكيف وقد ارتفعت الجهالة عن الأسود برواية ابن لهيعة عنه وقبول العلماء لروايته؛ حيث تناقلها عن الأسود قاضيان ثم مؤرخان! 
قال الحافظ ابن كثير في "الباعث الحثيث" (ص: 97، ط. دار الكتب العلمية): [فأما المُبهَم الذي لم يُسَمَّ، أو مَن سُمِّيَ ولا تُعرَف عينُه: فهذا ممن لا يَقبَلُ روايتَه أحدٌ علمناه. ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير: فإنه يُستَأْنَس بروايته، ويُستَضاءُ بها في مواطن. وقد وقع في مسند الإمام أحمد وغيره من هذا القبيل كثيرٌ. والله أعلم] اهـ.

ونقله الحافظ السخاوي في "الغاية في شرح الهداية في علم الرواية" (ص: 126، ط. مكتبة أولاد الشيخ)، ثم قال عَقِيبَه: [وكذا قال شمس الأئمة من الحنفية، وقلنا المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه، ما لم يتبين منه ما يزيل عدالته فيكون خبره حجة. وهو محكي عن إمامه أبى حنيفة أنه قبله في عصر التابعين خاصة، لغلبة العدالة عليهم] اهـ.

ثم إن الأسود بن مالك معروفٌ عند أهل بلده بهذه الخطبة، ولا يُعرَف أنه روى غيرَها، فهي روايتُه التي انتدَب لها وحديثُه الذي توافر عليه، وهذا أدعَى إلى ضبطه وحفظه؛ فإن قلة الرواية من دواعي إتقان أداء الحديث، وضبط حروفه ومعانيه، كما أن كثرتها مَظِنَّةُ الوقوع في الخطأ؛ ولذلك قلَّت مرويات كثير من الصحابة اعتبارًا بكثرة ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم خشية الوقوع في شيء من تغيير اللفظ ولو على جهة الخطأ.

وهذا كله يقتضي أن تفرد الأسود بن مالك برواية خطبة عمرو بن العاص رضي الله عنه لا يطعن في ثبوتها؛ فإن صنيعهم في سياقتهم لها وجزمهم برواية ابن لهيعة والأسود بن مالك وبَحير بن ذاخر لها يبرهن أنهم لم يَعُدُّوا الأسود من المجاهيل الذين تُرَدُّ روايتُهم.

فإن قيل: فهذه خطبة مشهورة كان يخطب بها عمرو بن العاص رضي الله عنه في أهل مصر كل عام -كما جاء في بعض رواياتها فيما سبق-، فكيف ينفرد بروايتها عن عمرو رضي الله عنه واحد منهم هو بَحِير بن ذاخر، ثم ينفرد بروايتها عنه الأسود وهو لا يُعرَف إلا بها، ثم ينفرد بها عنه ابن لهيعة؟

فالجواب: أن هذا مِن شواهد الصحة لا أمارات الضعف؛ فإن هذه الرواية تحكي شأنًا عامًّا وحدثًا تكرر غير مرة، وهذا أمر تتوافر الدواعي على تكذيبه لو لم يكن له أصل، وقد انتدب لها قاضي مصر الإمامُ ابن لهيعة، ضابطًا ألفاظَها وعباراتِها؛ إذ كان نقلُ مثلِها مِن شأنِ مثلِه؛ فالقُضاة أليق بنقل أخبار الوُلاة، وحدَّث بها أهلَ مصر؛ فلم ينكروها عليه، بل رواها عنه وعن أصحابه كبارُ محدِّثيها وقضاتها ومؤرخيها وأخبارييها، وتوارد المصريون بعد ذلك على روايتها وإيرادها، وأطبقوا على عدم القدح فيها مع توافر الدواعي على تضعيفها لانفراد سندها، وهذا يشهد بأنهم اعتمدوا صحتها وقبولها، وعدُّوها من مقبول الرواية التي يَنتَدِبُ لها الثقةُ بين أهل بلده لتحمُّلها وإتقانها، لا من قبيل المُنكَر الذي يَشذُّ به الضعيف أو المجهول غير المعروف بالرواية، ولولا أنهم يعرفونها لأنكروها، ولولا أنهم يعلمون لها أصلًا لبادروا إلى ردها، ولو كان في سندها أو في متنها ما يُنكَر لسارعوا إلى تضعيفها أو تعليلها أو القدح فيها أو في رواتها؛ فإن صنيعهم مستفيض في ذلك فيما ضعُف سنده أو شذ متنه، فلمّا لم يفعلوا ذلك -مع روايتهم لها وترجمتهم لرواتها- كان هذا قرينةً قويةً على قبولهم لها، وعَدِّهم إياها من صحيح حديث ابن لهيعة ومقبول روايته.

وبنحو ذلك أجاب الإمام ابن العربي المالكي عمن استشكل كون حديث "إنما الأعمال بالنيات" غريبًا فردًا لم يروه إلّا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يروه عنه إلا علقمة بن وقّاص؛ فقال في "شرح البخاري" -كما نقله العلامة المناوي في "اليواقيت والدرر" (1/286)-: [فإن قيل: حديث الأعمال بالنيات فرد؛ فإنه لم يروه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلا علقمة بن وقاص؟

قلنا: قد خطب به عمر رضي الله عنه على المنبر بحضرة الصحابة فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه عليه. قال: فالبخاري وإن كان بنى كتابه على حديث يرويه اكثر من واحد، فهذا الحديث لا يرد عليه، فإن عمر لما قاله بمحضر الصحابة وأقروه صار كالمجمع عليه، فعمر ذكَّرهم لا أخبرهم] اهـ.

وقريبٌ من هذا المعنى توجيهُ العلامة ابن الزملكاني لِمَا رُوِيَ آحادًا مع حصول الثقة واليقين بثبوته؛ حيث يقول: [انحصارُ الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم؛ فقد كان يتلقاه أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجم الغفير عن مثلهم، وكذلك دائمًا، فالتواتر حاصل لهم، ولكن الأئمة الذين قصدوا ضبط الحروف وحفظوا عن شيوخهم منها جاء السند من جهتهم، وهذا كالأخبار الواردة في حجة الوداع هي آحاد، ولم تزل حجة الوداع منقولة عمن يحصل بهم التواتر عن مثلهم في عصر، فهذه كذلك] اهـ نقلا عن الإمام الزركشي في "البحر المحيط" (2/212، ط. دار الكتبي).

وقد روى هذه الخطبةَ وتناقلها عن الإمام عبد الله بن لهيعةَ الأئمةُ الأجلاءُ الثقات الأثبات: 
فحدَّث بها عنه: الإمامان المحدِّثان الحافظان أبو نُعيم إسحاق بن الفرات التُّجِيبي [ت204هـ]، وأبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزومي [ت231هـ]، وهما مَن هما فضلا وعلمًا وضبطًا وجلالة وإتقانًا؛ حتى روى أحدهما الموطأ من حفظه، ولم يُعرَف للآخر حديث منكَر، كما سبق ذكرُه، ثم تداولها عن هذين الإمامين الرواةُ والمحدِّثون جيلا بعد جيل.
فأما يحيى بن بكير فرواها عنه ابنه أبو الوليد عبد الملك بن يحيى بن بكير المصري [ت297هـ]، وعن عبد الملك رواها الإمامان: أبو طالب أحمدُ بنُ نصر بنِ طالب المتقن الثبت حافظ بغداد [ت323هـ]، وعليُّ بن أحمد بن سلامة وهو ولد الإمام الطحاوي، وعن عليٍّ رواها الإمامُ المؤرخ المحدِّث أبو الحسن بن زولاق جازمًا بثبوتها سائقًا إياها مساق الاحتجاج على فضل مصر.

وأما إسحاقَ بن الفرات فرواها عنه جماعة؛ منهم: 

- الإمامُ المؤرخُ أبو عثمان سعيد بن ميسرة بن جنادة الغساني [ت بعد 220هـ]، وكان عالمًا بأخبار مصر؛ كما يقول ابن يونس، وحدث بها عن ميسرةَ: الإمامُ المحدثُ المؤرخ الثقة أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم [ت257هـ] مُورِدًا إياها مَوْرِدَ الاحتجاجِ على فضل مصر.

- والإمام الحافظ العالم المحدِّث أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري المعروف "ببَحْشَل" [ت264هـ]، وهو ابنُ أخي عالم مصر الإمام عبد الله بن وهب، وتلميذُ الإمام الشافعي، وعنه الإمام العلامة الحافظ الفقيه الكبير أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الحنفي [ت321هـ] محدِّث الديار المصرية وفقيهها في "شرح مشكل الآثار" سائقًا إيّاها مساق الاحتجاج في الأحكام -كما سيأتي- من غير أن يتعقبها بتضعيف في سند أو متن.
- والإمامُ المحدِّثُ أبو محمد وفاءُ بن سُهيل بن عبد الرحمن الكندي [ت268هـ]، وعنه الإمام أبو بكر محمد بن موسى بن عيسى الحضرمي المصري الحافظ [ت321هـ]، وعنه الإمام المحدث أبو الحسن عليُّ بن أحمد بن الأزرق المعدّل، وهو شيخُ حافظِ أهلِ عصرِه أميرِ المؤمنين في الحديث الإمام أبي الحسن الدارقطني الذي رواها في "المؤتلف والمختلف" جازمًا بأن بحيرًا يرويها عن عمرو بن العاص رضي الله عنه. 

فهذه الخطبةُ قد حدَّث بها ابنُ لهيعةَ الأكابرَ مِن أهلِ مصرَ وعلماؤُهم متوافرون، وقَبِلَها عنه الأئمةُ الحفاظُ والجهابذةُ الأعلامُ؛ فرَوَوْها عنه وتداولوها في كتبهم، ونقلوها كابرًا عن كابر؛ بدءًا من طبقة أقرانه كالليث بن سعد الذي لم يزل يروي عنه حتى مات، ثم طبقة الشافعي، ثم تلامذته، ثم طبقة الطحاوي، ثم مَن بعدَهم إلى عصر الحافظ الناقد الإمام أبي الحسن الدارقطني، جيلًا عن جيلٍ وإمامًا عن إمام؛ من غير أن يقدح فيها قادحٌ أو يطعن في رواتها طاعنٌ، وببعضِ هذا يَثبُتُ الحديثُ ويُقبَل.

فإذا أضيف إلى ذلك كونُ هذه الرواية في الفضائل والأخبار كان ذلك أدعى لقبولها وأبعد عن رَدِّها؛ فإنه من المقرر أنه يُكتفى في قبول أحاديث الفضائل بأقل شرائط القبول في الرواة، وذلك باتفاق المحدثين؛ حيث نصوا على أنه يتسامح في الفضائل ما لا يتسامح في الأحكام:
قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: "إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحلال والحرام والأحكام شدّدنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في فضائل الأعمال، والثواب والعقاب، والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد" خرّجه الحاكم في "المدخل إلى كتاب الإكليل" (ص: 29، ط. دار الدعوة) و"المستدرك" (1/666، ط. دار الكتب العلمية).

وقال الإمام أحمد بن حنبل: "إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحلال والحرام، والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد, وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد".

وقال الحافظ أبو زكريا العنبري: "الخبر إذا ورد لم يحرم حلالا, ولم يحلَّ حرامًا, ولم يوجب حكمًا, وكان في ترغيب أو ترهيب, أو تشديد أو ترخيص, وجب الإغماضُ عنه, والتساهل في رواته" خرّجهما الخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص: 134، ط. المكتبة العلمية).
وقال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (6/39، ط. وزارة الأوقاف المغربية): [وأحاديث الفضائل لا يُحتاج فيها إلى ما يُحتَجُّ به] اهـ.

بل إن هذه الخطبة قد احتج بها جماعة من العلماء في أحكام الفقه ومعاني الشريعة، وساقوها بصيغة الجزم بها، وهذا تصحيح أو قبول لها؛ فإنها لو كانت ضعيفة لنبهوا عليها:
فمنهم من احتج بها لإثبات أن المراد بالمال المنهي عن إضاعته يشمل الحيوان وغير الحيوان؛ وذلك ردًّا على من قصر النهيَ على خصوص الحيوان؛ قال الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي المصري في "شرح مشكل الآثار" (8/228، ط. مؤسسة الرسالة): [تأوله آخرون على خلاف ذلك، وذهبوا إلى أنه النهي عن إضاعة المال الذي جعله الله قياما للناس في معايشهم, وفيما لا تستقيم لهم أمورهم إلا به، من الحيوان ومن غير الحيوان. واحتجوا في ذلك بما قد روي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن قيس بن عاصم في هذا المعنى: كما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: حدثنا إسحاق بن الفرات قال: حدثنا ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري، عن بحير بن ذاخر المعافري، أنه سمع عمرو بن العاص رضي الله عنه في خطبته يوم الجمعة يقول: "يا معشر الناس، إياي وخلالا أربعًا؛ فإنهن يدعون إلى النصب بعد الراحة, وإلى الضيق بعد السعة, وإلى المذلة بعد العزة: إياك وكثرة العيال، وإخفاض الحال، والتضييع للمال، والقيل بعد القال، في غير درك ولا نوال"] اهـ.

وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد" (21/293، ط. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية) في هذا المعرِض: [القول الثاني: إضاعة المال بترك إصلاحه والنظر فيه وكسبه، واحتج من قال هذا بقول قيس بن عاصم لبنيه حين حضرته الوفاة: "يا بني عليكم بالمال واصطناعه؛ فإن فيه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم"، وبقَوْل عمرو بن العاص رضي الله عنه في خطبته؛ حيث قال: "يا معشر الناس إياي وخلالًا أربعًا؛ فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العز: إياي وكثرة العيال، وإخفاض الجلال، والتضييع للمال، والقيل والقال في غير درك ولا نوال] اهـ، ونحوه في "الاستذكار" (8/580، ط. دار الكتب العلمية). 

وأخرجها الإمام الحافظ النميري في كتاب "الإعلام بفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسلام"؛ كما سبق تخريجه، وذلك في باب "الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخطبة" محتجًّا بها على مشروعية ذلك واستحبابه، وهذه الخطبة صحيحة أو مقبولة عنده؛ فإنه اشترط في أول كتابه هذا صحةَ الإسناد والقبولَ والخلوَّ من النكارةِ والسقوطِ عن مرتبة العدالة؛ فقال في مقدمة كتابه هذا مبينًا شرطه فيه: [ولم أعدل عما صح إسناده، وكثر في كتب الأئمة تكراره وترداده، وعن ما اشتهر نَقَلَتُه بالستر والسلامة، وإن لم يبلغوا درجة أهل الاتفاق والإمامة، وعن ما حملته الجهابذة وحملوه، وإن تركوا بعض نَقَلَتِه وغمزوه، ولم أعرج على من بانت نُكْرَتُه، وسقطت عن مرتبة العدالة أصلًا نَقَلَتُه] اهـ.

وهذه الخطبة الشريفة قد قبلها أهل مصر من المحدثين وأصحاب التواريخ والتراجم، ورَوَوْها في كتبهم من غير نكير؛ فممن رواها منهم: 

الإمام المحدث المؤرخ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم [ت257هـ] في "فتوح مصر والمغرب" (ص: 166-167). والإمام الحافظ المؤرخ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي [ت347هـ] في "تاريخ مصر". والعلامة المؤرخ أبو عمر محمد بن يوسف الكندي [ت بعد 355هـ] في "فضائل مصر المحروسة" (ص: 2). وحافظُ عصره الإمامُ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني [ت385هـ] في "المؤتلف والمختلف" (2/1003-1004). والإمامُ المؤرخ أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي الفقيه [ت387هـ] في "فضائل مصر وأخبارها" (ص: 83). والعلامة شمس الدين أبو عبد الله بن الزيات [ت814هـ] في "الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة" (ص: 6، ط. المكتبة الأزهرية للتراث). والعلامة المؤرخ تقي الدين المقريزي [ت845هـ] في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (1/46، ط. دار الكتب العلمية). والإمام المؤرخ أبو المحاسن جمال الدين بن تغري بردي [ت874هـ] في "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" (1/29، ط. دار الكتب المصرية). والعلامة المؤرخ ابن ظهيرة [ت888هـ] في "الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة" (ص: 76، ط. دار الكتب). والإمام الحافظ السيوطي [ت911هـ] في "حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" (1/14، 153، ط. دار إحياء الكتب العربية). والإمام أبو البركات أحمد بن إياس الحنفي [ت930هـ] في "بدائع الزهور في وقائع الدهور" (1/6، ط. دار الباز). والإمام العارف محمد بن أبي السرور البكري [ت1087هـ] في "الروضة المأنوسة في أخبار مصر المحروسة" (ص: 50، ط. مكتبة الثقافة الدينية)، وغيرهم. 

وقد التزم جماعة منهم الصحة أو القبول فيما يذكرونه:

قال العلامة الكندي في "فضائل مصر المحروسة" (ص: 1): [فجمعتُ ما أَمُرُّ به من كتب شيوخ المصريين وغيرهم من أهل العلم والخبرة، والبحث والذكاء والفطنة، والتفتيش والرحلة والطلب] اهـ.

وقال العلامة ابن إياس الحنفي في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" (1/9، ط. مكتبة دار الباز): [انتهى ما أوردناه من الآيات الشريفة، والأحاديث النبوية، في أخبار مصر، ومُعوَّلي في صحة هذه الأحاديث والأخبار، بما أورده الشيخ جلال الدين الأسيوطي في كتابه المسمَّى "بحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة"] اهـ.

فإذا كانت هذه الخطبة مما قبله العلماء وأوردوه مورد الاحتجاج فإنها تكون بذلك مقبولة أو صحيحة؛ إذ قد تقرر عند المحدثين أن قبول العلماء للحديث مما يصححه أو يقوي الاحتجاج به:

قال الإمام العارف أبو طالب المكي [ت386هـ] في كتابه "قوت القلوب في معاملة المحبوب" (1/300، ط. دار الكتب العلمية): [والحديث إذا تداوله عصران، أو رواه القرون الثلاثة، أو دار في العصر الواحد فلم ينكره علماؤه، وكان مشهورًا لا ينكره الطبقةُ من المسلمين: احتُمِلَ ووقع به حجةٌ، وإن كان في سنده قول، إلا ما خالف الكتاب والسنن الصحيحة، أو إجماع الأمة، أو ظهر كذب ناقليه بشهادة الصادقين من الأئمة] اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "النكت على كتاب ابن الصلاح" (1/372، ط. الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة): [لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول -ولو كان سنده ضعيفًا-: يوجب العمل بمدلوله] اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر في "النكت" أيضًا –كما نقله الحافظ السيوطي في "البحر الذي زخر" (3/1274)-: [من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخُنا: أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث؛ فإنه يُقبل، حتى يجب العمل به، صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول] اهـ.

قال الحافظ السيوطي في "البحر الذي زخر" (3/1277-1282): [وقال بعضهم: يُحكَم للحديث بالصحة إذا تلقاه العلماء بالقبول، وإن لم يكن له إسناد صحيح.

قال ابن عبد البر في "الاستذكار" لمّا حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر "هو الطهور ماؤه": وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقَّوْه بالقبول. قال الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الشرح الكبير": فردَّه من حيث الإسناد، وقبله من حيث المعنى. 

وقال في "التمهيد": وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غنًى عن الإسناد فيه.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: يُعرَف صحةُ الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم. وقال نحوَه ابنُ فورك، وزاد فمثَّل ذلك بحديث: "في الرقَة ربع العشر، ومائتي درهم خمسة دراهم".

وقال أبو الحسن بن الحصار في "تقريب المدارك على موطأ مالك": "قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب، بموافقة آية من كتاب الله، أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به" انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر في "تذكرته"، ومن خطه نقلت: "قال ابن المواق في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة": هذا الحديث مما تلقته الأمة بالقبول، ودرجوا على العمل به، والمحافظة على مقتضاه"] اهـ.

وهذه الخطبة هي من عيون الخطب المروية عن سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وأحسنها وأنفسها؛ وقد وصفها الشيخ محمد رشيد رضا في "مجلة المنار" (المجلد السابع، ص: 52) بأنها "خطبة نفيسة لسيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه" وأنها "من أحسن أقواله"، ثم أكد ما يدل عليه مضمونُها من أفضلية جندها وديمومة رباطهم فقال عَقِيبَ إيرادها: [هكذا كانوا يخطبون الناس؛ يُعلِّمونهم ما به صلاح دينهم ودنياهم، ويرشدونهم إلى حسن العمل في المعايش، وحسن المعاملة مع الموافق والمخالف، فليعتبر بهذا خطباء التقليد في هذا العصر إن كانوا يفقهون.. و(الشعرى) الكوكب الذي يطلع في الجوزاء، وذلك عند إقبال الحر؛ فهو يقول: ذهب الشتاء وجاء وقت العمل والحرث. 

والوصية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعمرو رضي الله عنه بالمرابطة في مصر: تدل على أن هذه البلاد لا تُحفَظ مِن اعتداء الأجانب إلا بالقوة الجندية الدائمة؛ فإنها مقصودة من الفاتحين لخيرها وضعف أهلها] اهـ.

فأما الزعم بأن هذه الخطبة باطلة أو مكذوبة أو أنها ساقطة السند أو غير صحيحة المعنى كما يقوله بعض الجهلة من أدعياء العصر فهو من الزعم الباطل والرجم بالغيب والدفع بالصدر الذي يَرُدُّ أصحابُه السُّنَنَ والآثار بالهوى من غير حجة ولا برهان؛ إذ فيه تجهيلٌ لمن تعاقب على هذا الحديث من الأئمة الرُّواة والمُخرِّجين والشُّرّاح وأصحاب السِّيَر والتواريخ، ورميٌ لهم بالغفلة وقلة الفهم وضعف الدراية، وهذه كتب العلل والمناكير والتواريخ التي تنكر كل رواية شاذة أو ضعيفة أو فاسدة، ولا تذر من ذلك شاردة وواردة، قد خلت من الطعن في هذه الخطبة سندًا أو متنًا، ولا نقد فيها لِلَفْظٍ منها أو معنًى، وهؤلاء حمَلةُ العلم وصيارفة الرواية ونقدة الحديث في القديم والحديث؛ متشددوهم ومتوسطوهم ومتساهلوهم، لم يستنكر أحدٌ منهم هذه الخطبة، أو يضعِّفها، أو يقدح فيها، ولم يَسُقْها مَن ساقها مِنهم إلا في مقام الاحتجاج والقبول.

ثم إنَّ الأحاديث المذكورة في خطبة عمرو بن العاص رضي الله عنه يشهد لها مِن الكلام النبوي الشريف وسائر الأحاديث والآثار ما يرجح صحتها وقوتها:

- فمن ذلك ما رواه أبو يعلى في "مسنده" وعنه ابن حبان في "صحيحه"، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص: 22) من طُرقٍ عن أَبي هانئٍ حميد بن هانئٍ الخَوْلاني، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِيَّ؛ وهو عبدُ الله بن يزيد، وعمْرَو بن حُرَيْث، وغيرَهما يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّكُمْ سَتَقْدُمُونَ عَلَى قَوْمٍ، جُعْدٌ رُءُوسُهُمْ، فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ قُوَّةٌ لَكُمْ، وَبَلاغٌ إِلَى عَدُوِّكُمْ بِإِذْنِ اللهِ» يعني: قبط مصر، قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/64، ط. مكتبة القدسي): [رجاله رجال الصحيح] اهـ. 

- ومن الشواهد ما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" عن أم المؤمنين أم سلَمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى عند وفاته، فقال: «اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عُدَّةً وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ». 
قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (10/63): [رجاله رجال الصحيح] اهـ.

- وأخرج ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب" (ص 21) عن مسلم بن يسار، أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: «اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا، فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَهُمْ نِعْمَ الْأَعْوَانُ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ». وهذا حديثٌ مرسَلٌ حسن؛ أرسله ثقة من القرون المفضلة.
- وأخرج ابن عبد الحكم أيضًا في "فتوح مصر" (ص 22) عن موسى بن أيّوب الغافقيّ، عن رجل من الزّبد أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مرض، فأغمى عليه ثم أفاق، فقال: «اسْتَوْصُوا بِالْأُدْمِ الْجُعْدِ» ثم أغمى عليه الثانية ثم أفاق، فقال مثل ذلك، قال: ثم أغمى عليه الثالثة فقال مثل ذلك، فقال القوم: لو سألنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من الأدم الجعد! فأفاق، فسألوه فقال: «قِبْطُ مِصْرَ؛ فَإِنَّهُمْ أَخْوَالٌ وَأَصْهَارٌ، وَهُمْ أَعْوَانُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ، وَأَعْوَانُكُمْ عَلَى دِينِكُمْ» قالوا: كيف يكونون أعواننا على ديننا يا رسول الله؟ قال: «يَكْفُونَكُمْ أَعْمَالَ الدُّنْيَا وَتَتَفَرَّغُونَ لِلْعِبَادَةِ؛ فَالرَّاضِي بِمَا يُؤْتَى إِلَيْهِمْ كَالْفَاعِلِ بِهِمْ، وَالْكَارِهُ لِمَا يُؤْتَى إِلَيْهِمْ مِنَ الظُّلْمِ كَالْمُتَنَزِّهِ عَنْهُمْ». وهذا حديث جيِّد الإسناد.

- وأخرج ابن هشام في "السيرة النبوية" (1/6، ط. الحلبي)، والزبير بن بكار في "المنتخب من كتاب أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم" (ص: 60، ط. مؤسسة الرسالة) -ومن طريق ابن هشام رواه ابنُ عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب" (ص: 22)- من طريق عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن عمر مولى غُفْرة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهَ اللهَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَهْلِ الْمَدَرَةِ السَّوْدَاءِ، السُّحْمِ الْجِعَادِ؛ فَإِنَّ لَهُمْ نَسَبًا وَصِهْرًا». وهذا حديث حسن.

- ومن ذلك: ما أخرجه الإمام البخاري في "التاريخ الكبير" (6/314)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب" (ص 342-343)، وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (3/1116)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/330، ط. مؤسسة الرسالة)، وأبو زرعة الدمشقي في "الفوائد المعللة" (ص 160، ط. مكتبة الإمام الذهبي)، والبزار في "مسنده" (6/287، ط. مكتبة العلوم والحكم)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (2/202، ط. مكتبة الغرباء)، والطبراني في المعجم الأوسط (8/315)، والحاكم في "المستدرك" (4/495)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (45/492-493)، واللفظ للحاكم، عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح، عن عميرة بن عبد الله المعافري، عن أبيه، عن عمرو بن الحَمِق الخُزَاعيّ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ أَسْلَمُ النَّاسِ فِيهَا -أَوْ قَالَ: لَخَيْرُ النَّاسِ فِيهَا- الْجُنْدُ الْغَرْبِيُّ» فلذلك قدمت مصر. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

ولقد توبع عميرة المعافري في هذا الحديث؛ فأخرج الحافظ أبو زرعة الدمشقي في "الفوائد المعللة" (ص: 160) من طريق عبد الله بن صالح، نا أبو شريح عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، عن عميرة بن ناجية، عن أبيه، عن عمرو بن الحمق رضي الله عنه. 
وفي رواية ابن شبة أن عَمْرًا قال: وأنتم الجند الغربي، فجئتكم لأكون فيما أنتم فيه.
وتابع جبيرُ بن نفير والدَ عميرة؛ كما أخرجه الإمام البخاري في "التاريخ الكبير" (6/314).

وأخرجه من طريق آخر نعيم بن حماد في "الفتن" (1/54، ط. مكتبة التوحيد) من طريق الوليد، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَكُونُ فِتْنَةٌ تَشْمَلُ النَّاسَ كُلَّهُمْ، لَا يَسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا الْجُنْدُ الْغَرْبِيُّ»، وهذا مرسل حسن الإسناد.

- وأخرج البزار في "مسنده"، والطبراني في "مسند الشاميين"، وعبد الجبار الخولاني في "تاريخ داريا" (ص: 49، ط. مطبعة البرقي)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (1/71) عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّكُمْ سَتُجَنِّدُونَ أَجْنَادًا؛ جُنْدًا بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ». وقد حسنه البزار والمنذري، وصححه السيوطي.

- وذَكَر المقريزي في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (1/46، ط. دار الكتب العلمية) عن تبيع بن عامر الكلاعيّ قال: أقبلت من الصائفة فلقيت أبا موسى الأشعريّ رضي الله عنه فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من أهل مصر، قال: من الجند الغربيّ؟ فقلت: نعم، قال: الجند الضعيف؟ قال: قلت: أهو الضعيف؟ قال: نعم، قال: أما إنه ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤنته، اذهب إلى معاذ بن جبل حتى يحدّثك، قال: فذهبت إلى معاذ بن جبل فقال لي: ما قال لك الشيخ؟ فأخبرته، فقال لي: وأيّ شيء تذهب به إلى بلادك أحسن من هذا الحديث، أكتبت في أسفل ألواحك، فلما رجعت إلى معاذ أخبرني أن بذلك أخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

- ومن ذلك أيضًا: ما أخرجه أبو العرب التميمي في "طبقات علماء إفريقية" (ص: 11، ط. دار الكتاب اللبناني) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا يَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي بِالْمَغْرِبِ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَرَوْا يَوْمًا قَتَامًا، فَيَقُولُونَ: غُشِيتُمْ، فَيَبْعَثُونَ خَيْلَهُمْ يَنْظُرُونَ، فَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ، فَيَقُولُونَ: الْجِبَالُ سُيِّرَتْ فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا، فَتُقْبَضُ أَرْوَاحُهُمْ».

- وأخرج أيضًا من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سَتُجَنِّدُونَ أَجْنَادَكُمْ، وَخَيْرُ أَجْنَادِكُمُ الْجُنْدُ الْغَرْبِيُّ».

- وأخرج ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب" (ص: 21)، والدولابي في "الكنى والأسماء" (2/573، ط. دار ابن حزم): أن أبا سالم الجيشانيّ أخبره أن بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، أخبره أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِنَّكُمْ سَتَكُونُونَ أَجْنَادًا، وَإِنَّ خَيْرَ أَجْنَادِكُمْ أَهْلُ الْغَرْبِ مِنْكُمْ؛ فَاتَّقُوا اللهَ فِي الْقِبْطِ؛ لَا تَأْكُلُوهُمْ أَكْلَ الْحَضِر»، والحَضِر هو الذي يتحين طعام الناس حتى يحضُره، وفي رواية: «أَكْلَ الْخَضِر»؛ وهو النبات الغضّ.

- وأخرج الإمام مسلم في "صحيحه" عن سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ على الْحَقِّ حتى تَقُومَ السَّاعَةُ».

ومصنفو كتب التاريخ من كبار المحدثين والمؤرخين وأئمتهم قد أوردوا هذه الأحاديث في كتبهم؛ وذلك في مقام الاحتجاج بها على فضائل مصر.

قال الحافظ الدمياطي في ما حكاه عنه التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (10/120، ط. هجر): [وهذا قول عبد المؤمن بن خلف الدمياطي خادم السنة النبوية بالديار المصرية، وهي الجند الغربي السالم من الفتن؛ لما روى أبو شُرَيْح عبد الرحمن بن شُرَيْح الإسكندري، عن عميرة بن أبي ناجِية، عن أبيه عن عمرو بن الحمق الخُزَاعي، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَكُونُ فِتَنٌ خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا أَو أَسْلَمُ النَّاسِ فِيهَا الْجُنْدُ الْغَرْبِيُّ» فلذلك قدمت عليكم مصر] اهـ.

وقال الحافظ السيوطي "الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج" (4/514، ط. دار ابن عفان) في شرحه لحديث «لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ على الْحَقِّ حتى تَقُومَ السَّاعَةُ»: [ومما يؤيد أن المراد بالغرب من الأرضِ روايةُ عبد بن حميد وبقيّ ابن مخلد: "ولا يزال أهل الغرب"، ورواية الدارقطني: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق في المغرب حتى تقوم الساعة" قلت: لا يبعد أن يراد بالمغرب مصر؛ فإنها معدودة في الخط الغربي بالاتفاق؛ وقد روى الطبراني والحاكم وصححه عن عمرو بن الحمق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تكون فتنة أسلم الناس فيها الجند الغربي" قال ابن الحمق: فلذلك قدمت عليكم مصر. وأخرجه محمد بن الربيع الجيزي في "مسند الصحابة الذين دخلوا مصر" وزاد فيه: وأنتم الجند الغربي. 

فهذه منقبة لمصر في صدر الملة، واستمرت قليلة الفتن معافاة طول المدة لم يعترها ما اعترى غيرها من الأقطار، وما زالت معدن العلم والدين، ثم صارت في آخر الأمر دار الخلافة ومحط الرحال، ولا بلد الآن في سائر الأقطار بعد مكة والمدينة يظهر فيها من شعائر الدين ما هو ظاهرٌ في مصر] اهـ.

وقال العلامة شهاب الدين بن فضل الله العمري في "مسالك الأبصار وممالك الأمصار" (3/147-148، ط. دار الكتب العلمية): [ونهض الجيش المصري بما عجزت عنه ملوك أقطار الأرض، مع اجتهاد السلطان جلال الدين محمد بن خوارزمشاه رحمه الله، حتى قتل، ولم يكن الجيش المصري بالنسبة إلى الجيوش الجلالية إلا كالنقطة في الدائرة، والنغبة من البحر، والله يؤيد بنصره من يشاء، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، وهذا من المعجزات النبوية وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من عاداهم إلى يوم القيامة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا وهم الجند الغربي»، وقوله: (ألا وهم الجند الغربي) زيادة في الروايات، وهذه الرواية إن لم تصح روايتها صحت بالمعنى؛ لأن هذه الطائفة هي كانت الطائفة الظاهرة التي أرادها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وعناهم بها، لأنه لم يظهر على التتار سواهم، وبهذه النصرة دامت النصرة على التتار، وكانت بهم لا بغيرهم، مع كثرة من كان من ملوك الإسلام، واجتهادهم في الجهاد، فتماسك بهذه المرة رمق الإسلام، وبقيت بقية الدين، ولولاهم لانصدع شعب الأمة، ووهَى عمود الملة، ووصلت خيل عبدة الشمس إلى أقصى المغارب، ودكت جميع رعان الأرض] اهـ.

وقد سميت مصر بـ"أم البلاد" و"غوث العباد"؛ فبهذا سماها نبي الله نوحٌ عليه السلام؛ فقد أخرج ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب" (ص: 27) بسندٍ حسن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن نوحًا عليه السلام قال لابنه حينما أجاب دعوته: "اللهم إنه قد أجاب دعوتي؛ فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة، التي هي أم البلاد، وغوث العباد، التي نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم، وقوهم عليها".

وهذا الأثر ذكره جماعة من العلماء في كتبهم، واحتجوا به على فضائل مصر، ومنهم:
الحافظ الكندي (355) في "فضائل مصر"، والمؤرخ العلامة البكري (487) في "المسالك والممالك" (2/566، ط. دار الغرب الإسلامي)، وصاحب "الاستبصار في عجائب الأمصار" (ص: 65، ط. دار الشئون الثقافية)، والحافظ جمال الدين بن حديدة في "المصباح المضي في كتاب النبي الأمي" (2/148، ط. عالم الكتب)، والمؤرخ العلامة ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" (1/30)، والحافظ السيوطي في "حسن المحاضرة" (1/34)، والعلامة المقريزي في "المواعظ والاعتبار" (1/40-51)، والعلامة النويري في "نهاية الأرب" (1/347، ط. دار الكتب والوثائق القومية). 

قال العلامة الألوسي في "روح المعاني" (13/14، ط. دار الكتب العلمية): [قد يقال لبلد: هي أم البلاد باعتبار احتياج أهالي البلاد إليها] اهـ.

وقد ذكرها بهذا اللقب سعيد بن أبي هلال، حيث قال: "اسم مصر في الكتب السالفة أم البلاد، وذكر أنها مصورة في كتب الأوائل وسائر المدن مادة أيديها إليها تستطعمها" نقل ذلك عنه العلماء والمؤرخون؛ كالكندي في "فضائل مصر المحروسة"، والسيوطي في "حسن المحاضرة" (1/21).

كما ذكرها بذلك الأديب علي بن ظافر الأزدي [ت613هـ] في "بدائع البدائه" (ص: 180)، والمؤرخ الرحالة ابن بطوطة [ت779هـ] في "تحفة النظار" (1/201، ط. أكاديمية المملكة المغربية)، والمؤرخ الغزي [ت1351هـ] في "نهر الذهب في تاريخ حلب" (1/123، ط. دار القلم).

وقال المرتضى الزبيدي في "تاج العروس" (14/126، ط. دار الهداية) عن الحافظ ابن دحية قوله: [مصر أخصب بلاد الله، وسماها الله تعالى بمصر وهي هذه دون غيرها، ومن أسمائها أم البلاد، والأرض المباركة، وغوث العباد، وأم خنور، وتفسيره: النعمة الكثيرة، وذلك لما فيها من الخيرات التي لا توجد في غيرها، وساكنها لا يخلو من خير يدر عليه فيها، فكأنها البقرة الحلوب النافعة] اهـ.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: [لمّا خلق الله عز وجل آدم عليه السلام مثّل له الدنيا؛ شرقها وغربها، وسهلها وجبلها، وأنهارها وبحارها، وبناءها وخرابها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من الملوك، فلمّا رأى مصر رآها أرضًا سهلة، ذاتَ نهر جارٍ؛ مادَّتُه من الجنة، تنحدر فيه البركة، وتمزجه الرحمة، ورأى جبلًا من جبالها مكسوًّا نورًا، لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة، في سفحه أشجار مثمرة، فروعها في الجنة، تُسقَى بماء الرحمة، فدعا آدم في النيل بالبركة، ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات، وقال: "يا أيها الجبل المرحوم، سفحك جنة، وتربتك مسك، يدفن فيها غراس الجنة، أرض حافظة مطيعة رحيمة، لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظ، ولا زال منك ملك وعز، يا أرض مصر فيك الخبايا والكنوز، ولك البر والثروة، سال نهرك عسلًا، كثّر الله زرعك، ودر ضرعك، وزكى نباتك، وعظمت بركتك وخصبت، ولا زال فيك خير ما لم تتجبري وتتكبري أو تخوني، فإذا فعلت ذلك عراك شرٌّ، ثم يعود خيرك". فكان آدم عليه السلام أول من دعا لها بالرحمة والخصب والبركة والرأفة] اهـ. حكاه ابن زولاق في "فضائل مصر وأخبارها" (ص: 10)، والشهاب النويري في "نهاية الأرب" (1/347)، والمقريزي في "المواعظ والاعتبار" (1/50)، وابن ظهيرة في "الفضائل الباهرة" (ص: 78)، والحافظ السيوطي في "حسن المحاضرة" (1/20)، وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" (1/30، ط. دار الكتب المصرية).

وقال أبو الحسن أحمد بن محمد بن المدبر المصري الكاتب [ت270هـ]: [مصر اختيار نوح عليه السلام لولده، واختيار الحكماء لأنفسهم، واختيار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لأنفس الصحابة.. واختيار عمرو بن العاص رضي الله عنه لنفسه.. واختيار الخلفاء لمن يقوم منهم، وكذلك الملوك والسلاطين إلى وقتنا هذا، وقد صارت دار الملك وبيضة الإسلام] اهـ نقلًا عن القاضي ابن ظهيرة في "الفضائل الباهرة في مصر والقاهرة" (ص: 82).

ولقد تضافرت الوقائع التاريخية منذ قديم الزمان وعلى مر العصور وكرّ الدهور على إثبات الخيرية والأفضلية لجيش مصر من الناحية الواقعية العملية، وشهد بذلك المؤرخون؛ كما سبق عن العلامة المؤرخ شهاب الدين بن فضل الله العمري، والإمام الحافظ المجتهد جلال الدين السيوطي، وغيرهما من المؤرخين، في كلامهم الذي سبق نقله عنهم.

وشهادة الواقع بصحة الحديث باب جليل يتقوى به إن كان في سنده ضعف، فكيف إذا كان الحديث قويًّا متلقًّى بالقبول مع تضافر الشواهد من الروايات والأحاديث على صحة معناه كما سبق! وقد صحح جماعةٌ من المحدثين أحاديث ضعُف سندها؛ لمطابقتها للواقع، وعدُّوا هذا طريقًا من طرق تصحيح الأحاديث النبوية:

فمنهم الإمام الحافظ الطبراني؛ حيث روى في "المعجم الكبير" حديث عُتبة بن غَزْوانَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا أَضَلَّ أَحَدُكُمْ شَيْئًا أَوْ أَرَادَ أَحَدُكُمْ عَوْنًا وَهُوَ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ، فَلْيَقُلْ: يَا عِبَادَ اللهِ أَغِيثُونِي، يَا عِبَادَ اللهِ أَغِيثُونِي، فَإِنَّ للهِ عِبَادًا لَا نَرَاهُمْ»، وقال عَقِيبَه: "وقد جُرِّبَ ذلك"، وهذا الحديث حَسَّنه الحافظ ابن حجر في "أمالي الأذكار".

ومنهم الإمام القاضي عياض؛ فقد نقل عنه صاحب "البيان المُغرِب في أخبار الأندلس والمغرب" (1/203، ط. دار الثقافة) قوله في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن بأقصى المغرب مدينة تسمى سبتة أسسها رجل صالح اسمه سبت من ولد سام بن نوح، واشتق لها اسما من اسمه ودعا لها بالبركة والنصر فما رماها أحد بسوء إلا رد الله بأسه عليه»: [وهذا الحديث تشهد بصحته التجربة، فإنها ما زالت محمية عند من وليها من الملوك، وقل وما أحدث أحد منهم فيها حدث سوء إلا هلك] اهـ.

ومنهم الحافظ جلال الدين السيوطي؛ حيث قال في حديث مرفوع خرَّجه الخطيب البغدادي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تَكُونُ مَدِينَةٌ بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ يَكُونُ فِيهَا مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَهِيَ الزَّوْرَاءُ، يَكُونُ فِيهَا حَرْبٌ مُقَطِّعَةٌ؛ يُسْبَى فِيهَا النِّسَاءُ وَيُذْبَحُ فِيهَا الرِّجَالُ كَمَا تُذْبَحُ الْغَنَمُ»، قال: [وقعت هذه الحروبُ والذبحُ بعد موت الخطيب بأكثر من مائتي سنة، وذلك مما يُقوِّي الحديث] اهـ نقلًا عن "كنز العمال" (11/162، ط. مؤسسة الرسالة).

ومنهم الإمام القرطبي؛ حيث قال يصحِّح حديثا: [هذا خبر صحيح وقول صادق؛ علمنا صدقه دليلًا وتجربة] اهـ.

ومنهم الشيخ ابن القيم؛ فقال في "زاد المعاد" (2/370، ط. مؤسسة الرسالة) في حكمه على حديثٍ ذَكَره: [وأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحا والواقع في التجربة يشهد به] اهـ.

ومنهم أيضًا العلامة ابن الوزير؛ حيث قال في "العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم" (1/202، ط. مؤسسة الرسالة): [وعرفتُ بالتجربة: صحةَ ما رواه عليٌّ عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنهُ قال في كتاب الله تعالى: «مَن الْتَمَسَ الهُدَى مِنْ غَيْرِهِ ضَلَّ»] اهـ.

ومنهم الإمام الحرضي؛ حيث قال في "بهجة المحافل وبغية الأماثل" (2/363، ط. دار صادر)؛ يُقَوِّي حديثًا: [شهد على صحته ما صحَّ منه بالتجربة] اهـ.

ومنهم الحافظ السخاوي؛ حيث قال في "الابتهاج بأذكار المسافر والحاج" (ص 39)؛ يُقوِّي حديثًا ذكره: [وسنده ضعيف، لكن قال النووي: إنه جرَّبه هو وبعضُ أكابر شيوخه] اهـ.

وبناءً على ما سبق: فالأحاديث المذكورة في السؤال صحيحة المعاني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا مطعن على مضامينها بوجه من الوجوه، وقد وردت بأكثر ألفاظها خطبةُ عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهي خطبة ثابتة مقبولة صحيحة بشواهدها، رواها أهل مصر وقبلوها، ولم يتسلط عليها بالإنكار أو التضعيف أحد يُنسَب إلى العلم في قديم الدهر أو حديثه، ولا عبرة بمن يردُّها أو يطعن فيها في هذه الأزمان هوًى أو جهلًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم

 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام