الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

أسئلة حول بعض الأمور الطبية التي قد تفسد الصيام

نتقدم إلى حضرتكم نحن صيدليات (............) بطلب الفتوى في حكم ما يُفسِدُ الصومَ مِن هذه الأشكال العلاجية حتى يَتَسَنَّى لنا تقديم النُّصح والمشورة لعملائنا، خاصة ونحن على أعتاب شهر رمضان الكريم أعاده الله على الأمة الإسلامية بالخير واليُمن والبركات.
وهذه الصور العلاجية هي:

1- قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتُنِبَ ابتِلَاعُ ما نَفَذَ إلى الحَلْق.

2-الأقراص العلاجية التي تُوضَعُ تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها.
3- ما يَدخل المِهْبَلَ مِن تحاميل لبوسٍ، أو غسولٍ، أو منظارٍ مهبليٍّ، أو إصبعٍ للفحص الطبي.
4-إدخال المنظار أو اللَّولَب ونحوهما إلى الرحم.

5-ما يدخل الإحليل -أي مَجرَى البولِ الظاهرِ للذكر والأنثى- مِن قسطرةِ أنبوبٍ دقيقٍ أو منظارٍ، أو مادةٍ ظليلةٍ على الأشعة، أو دواءٍ، أو محلولٍ لِغَسْلِ المثانة.

6-حَفْرُ السِّنِّ، أو قَلْعُ الضرسِ، أو تنظيفُ الأسنان، أو استعمالُ السواك وفرشاة الأسنان.
7-المضمضة والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم.

8-الحُقَنُ العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية والسوائل والحُقَنُ المغذية.
9-غاز الأوكسجين.

10-غازات التخدير -البنج-.

11-ما يدخل الجسمَ امتِصاصًا مِن الجِلد؛ كالدهون والمَرَاهِمِ واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.

12-إدخال قسطرةِ أنبوبٍ دقيقٍ في الشرايين لتصويرِ أو علاجِ أوعيةِ القلبِ أو غيرِهِ مِن الأعضاء.
13-إدخال منظارٍ مِن خلالِ جدارِ البطنِ لفحصِ الأحشاءِ أو إجراء عمليةٍ جراحيةٍ عليها.
14-البخاخات العلاجية لِلرَّبو.

15-اللبوس الشرجي.

16-الحقنة الشرجية.

الإجابة

الصوم هو الإمساك عن المُفطرات، والمُفطرات هي ما حَدَّدَ الشرعُ من مبطلات الصيام، ومنها دخول جِرْمٍ إلى الجَوْفِ، والضابط في حصول هذا هو ما وصل عمدًا إلى الجوف المُنْفَتِحِ أصالةً انفتاحًا ظاهرًا محسوسًا؛ ومن ثَمَّ فليس كُلُّ ما دخل الجسدَ يُعَدُّ مفطرًا، والجوف عند الفقهاء عبارةٌ عن: المعدة، والأمعاء، والمثانة -على اختلافٍ بينهم فيها-، وباطن الدماغ، فإذا دخل المفطرُ إلى أيِّ واحدةٍ منها من مَنْفَذٍ مفتوحٍ ظاهرًا حِسًّا فإنه يكون مُفسِدًا للصوم.

فأما بالنسبة للقطرة التي توضع بالعين: فالذي عليه الفتوى والعمل أنها لا تفسد الصوم مطلقًا؛ سواء وصلت إلى الحلق أو لم تَصل؛ لأن العين ليست منفذًا مفتوحًا، فلا يصدُق على الداخل فيها أنه وصل إلى الجوف عن طريق منفذٍ مفتوح.

ووَضْعُ النُّقَطِ في الأنف أو الأذن أو استخدام بخاخ الأنف (ويُسمَّى عندهم الِاستِعَاط أو الإسعاط أو السّعُوط) مُفسِدٌ للصوم إذا وَصَلَ شيءٌ من ذلك إلى الدماغ أو إلى الحلق، فإذا لَم يُجَاوِز شيءٌ من ذلك الخَيْشُومَ إلى الحلق فلا يفسد الصيام.

وبخاخ العلاج المَوْضِعِيِّ للْفَمِ وكذلك الأقراص العلاجية التي تُوضَعُ تحت اللِّسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا لم يدخل شيءٌ منها إلى الجوف: كل هذا ليس مِمَّا يُفَطِّرُ؛ لِمَا سَبَقَ مِن أنها لم تدخل إلى الجوف مِن مَنْفَذٍ يُفَطِّرُ المرءَ بإدخال شيءٍ فيه، بخلاف ما إذا دخل شيء منها إلى الحلق فإنه يفطر.

وكذلك الحال بالنسبة للأوكسجين؛ فإنه إذا كان مجرد هواء يُضَخُّ للمساعدة على التنفس لم يفسد الصوم، لكن إن احتوى مع الهواء على موادَّ إضافية تدخل إلى الجوف فإنه مُفَطِّر.

أما بخاخة الربو -وهي آلةٌ يستخدمها مريضُ الربو بها دواءٌ سائلٌ مصحوبٌ بهواءٍ مضغوطٍ بغازٍ خامِلٍ يَدفَعُ الدواءَ مِن خلالِ جرعاتٍ هوائيةٍ يَجْذِبُهَا المريضُ عن طريق الفَمِ، فيَعْمَلُ كَمُوَسِّعٍ قَصَبِيٍّ تَعُودُ معه عمليةُ التنفسِ لِحالِها الطَّبَعِيِّ-: فاستعمالُها يُفسِدُ الصوم؛ لأنَّ السائلٍ الذي على هيئةِ رَذَاذٍ له جِرْمٌ مُؤَثِّرٌ إلى الجوف عن طريق مَنفَذٍ مُنْفَتِحٍ وهو الفَمُ، وليس صحيحًا ما يُقال مِن أنها مُجَرَّدُ هواءٍ؛ وإلَّا لَم تَكُن علاجًا أو ذات تأثيرٍ على الجسم؛ فإنَّ الهواءَ المُجَرَّدَ يَتَنَفَّسُهُ المريضُ وغيرُه.

وعلى ذلك: فلِلمريض الذي لا يَستَغنِي عن استعمال هذه البَخَّاخَةِ في أثناء الصوم أنْ يُفْطِرَ شرعًا، بل إذا كان يَخشَى على نَفْسِهِ الهلاكَ إنْ لَم يَستخدمها طوال النهار فإنَّ الفِطرَ واجبٌ عليه حتى لو طال ذلك أو اسْتَدَامَ معه، فإذا بَرِئَ مِن مَرَضِهِ وقدر على الصيام وَجَبَ عليه القضاء.
وكذلك الحال في غاز التخدير (البنج)؛ فإنه إذا كان عبارةً عن سائلٍ مخدرٍ مصحوبٍ بهواء مضغوط كان مفطرًا.

وأمَّا ما يَدخُلُ المهبلَ مِن تحاميل لبوسٍ، أو غسولٍ، أو منظارٍ مهبليٍّ، أو أيِّ نوع من أنواع الفحص المهبلي الذي يتم فيه إدخال اليد أو آلةِ الكشفِ الطبيِّ في فَرْجِ المرأة للفحص الطبي، وكذلك إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم، وما يدخل الإحليلَ -أي مَجْرَى البول الظاهر للذكر والأنثى- مِن قسطرةِ أنبوبٍ دقيقٍ أو منظارٍ، أو مادةٍ ظليلةٍ على الأشعة، أو دواءٍ، أو محلولٍ لِغَسْلِ المثانة؛ كل هذا يُفسِدُ الصوم عند الجمهور.

وخالف المالكية في الاحتقان بالجامد فَرْجِ المرأة وما يدخل الإحليل؛ فنَصُّوا على أنَّ ذلك لا يفسد الصوم.

قال العلامة أحمد الدرير المالكي في "الشرح الكبير" (1/524، ط. دار الفكر) في سياق كلامه عن شروط صحة الصوم وما يُفسِدُهُ: [(بحقنةٍ بمائعٍ) أي: تَرْك إيصالِ ما ذَكَرَ لِمَعِدَةٍ بسببِ حقنةٍ مِن مائعٍ في دُبُرٍ أو قُبُلِ امرأةٍ، لا إحليلٍ، واحْتُرِزَ بالمائعِ عن الحقنةِ بالجامِدِ؛ فلا قضاء، ولا فَتَائلَ عليها دُهْنٌ اهـ، قال العلَّامة الدسوقي في "حاشيته" عليه: أي: ولا في فَتَائلَ عليها دُهْنٌ] اهـ.

وقال الحنفية: لا يفسد الصوم بما يدخل الإحليل إذا لم يصل إلى المثانة، فإن وصل إلى المثانة فسد الصيام عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة ومحمد لا يفسد؛ قال العلامة الشرنبلالي في "مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح" (1/246، ط. المكتبة العصرية) في باب "ما لا يفسد الصيام": [(أو صب في إحليله ماءً أو دهنًا) لا يفطر عند أبي حنيفة ومحمد، خلافا لأبي يوسف فيما إذا وصل إلى المثانة، أما مادام في قصبة الذكر لا يفسد باتفاق. ومبنى الخلاف على منفذٍ للجوف من المثانة وعدمه، والأظهر أنه لا منفذ له، وإنما يجتمع البول في المثانة بالترشيح؛ كذا تقوله الأطباء؛ قاله الزيلعي] اهـ.

وعلى ذلك: فيُمكِنُ لِمَن احتاجَ إلى شيءٍ من ذلك حال صيامه أنْ يُقَلِّدَ من أجاز؛ فلا يفسد الصومُ بما يدخل الإحليل، أو إذا كان الدَّاخِلُ لِلْفَرْجِ جامِدًا؛ كالآلاتِ وبعضِ أنواعِ اللبوس، وإنْ كان يُستَحَبُّ له القضاءُ خروجًا مِن الخلاف.

أما الحقن في الوريد أو العضل فإنها لا تفطر الصائمَ إذا أخذها في أيِّ موضعٍ مِن مواضعِ ظاهرِ البَدَنِ، وسواء كانت للتداوي أو التغذية أو التخدير؛ لأنَّ شَرْطَ نَقْضِ الصوم أنْ يَصِلَ الداخلُ إلى الجوف مِن منفذٍ طَبَعِيٍّ مفتوحٍ ظاهرًا حِسًّا؛ والمادة التي يُحقَن بها لا تَصِلُ إلى الجوف أصلًا، وإن وصلت فإنها لا تدخل مِن منفذٍ طبَعيٍّ مفتوحٍ ظاهرًا حِسًّا، فوصولها إلى الجسم مِن طريق المَسَامِّ لا ينقض الصوم.

قال العلَّامة الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية الأسبق بعد أن ساق نصوص أهل المذاهب الأربعة في ذلك (مجلة الإرشاد، غُرَّة رمضان سنة 1351هـ، العدد الثاني مِن السنة الأولى: ص42 وما بعدها): [ومِن هذا يُعلَمُ أنَّ الحقنة تحت الجِلد لا تُفسِدُ الصومَ بِاتِّفَاقِ المذاهب الأربعة، سواء كانت للتداوي أو للتغذية أو للتخدير، وفي أيِّ موضعٍ مِن ظاهر البدن؛ لأنَّ مِثل هذه الحقنة لا يَصِلُ منها شيءٌ إلى الجوف مِن المنافذ المعتادة أصلًا، وعلى فرض الوصول فإنما تَصِلُ مِن المَسَامِّ فقط، وما تَصِلُ إليه ليس جوفًا ولا في حكم الجوف، وليست تلك المَسَامُّ مَنْفَذًا مُنفَتِحًا؛ لا عُرفًا ولا عادةً، ومِثلُ الحقنة تحت الجِلد فيما ذُكِر: الحقنةُ في العُرُوقِ التي ليست في الشرايين، والحقنة التي تكون في الشرايين، وكلاهما أيضًا لا يَصِلُ منه شيءٌ إلى الجوف، لكن الفرق أنَّ الحقنة التي في الشرايين تكون في الدَّورة الدموية؛ ولذلك لا يُعطيها إلَّا الطبيب. فَالْحَقُّ أنَّ الحقنة بجميع أنواعها المُتَقَدِّمَةِ لا تُفَطِّرُ] اهـ.
وكذلك الحال فيما يَدخُلُ الجسمَ امتِصاصًا مِن الجلد؛ كالدهون والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المُحَمَّلَةِ بالمواد الدوائية أو الكيميائية، وما يدخله من قسطرةِ أنبوبٍ دقيقٍ في الشرايين لتصويرِ أو علاجِ أوعيةِ القلبِ أو غيرِهِ مِن الأعضاء، وكذا إدخال منظارٍ من خلال جدارِ البطنِ لفحصِ الأحشاءِ أو إجراءِ عمليةٍ جراحيةٍ عليها، وحفر السِّنِّ، أو قلع الضرس، وتنظيف الأسنان، واستعمال السواك وفرشاة الأسنان، والمضمضة والغرغرة اللَّتَيْنِ لا يَصِلُ إلى الجوف منهما شيءٌ، فكل ذلك لا يفطر.

وأمّا الحُقَنُ الشرجية:-وهي التي تُعرَف بالحُقنة والاحتقان عند الفقهاء- فمذهب جمهور العلماء أنها مُفسِدَةٌ للصوم إذا استُعمِلَت مع العَمْدِ والِاختِيَارِ؛ لأنَّ فيها إيصالًا للمائع المَحقُونِ بها إلى الجوف مِن منفذٍ مفتوحٍ، وذهب العلَّامة اللخمي مِن المالكية إلى أنها مُبَاحَةٌ لا تُفَطِّر، وهو وَجْهٌ عند الشافعية؛ قاله القاضي حسين، وفي قولٍ آخر عند المالكية أنها مكروهة.

قال العلَّامة الحطاب المالكي في" مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" (2/424-425، ط. دار الفكر): [وسُئل مالكٌ في "مختصر ابن عبد الحكم" عن الحقنة، فقال: لا بأس بها. قال الأبهَرِيُّ: إنما قال ذلك لأنها ضَرْبٌ مِن الدواء وفيها مَنْفَعَةٌ للناس، وقد أباح النبيُّ عليه السلام التداوي وأَذِنَ فيه] اهـ.

وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي في "الكافي في فقه أهل المدينة" (1/345، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [وقد قِيلَ: القضاء في الحقنة استحبابٌ لا إيجابٌ، وهو عندنا الصواب؛ لأنَّ الفِطْرَ مِمَّا دَخَلَ مِن الفَمِ ووَصَلَ إلى الحَلْقِ والجَوف] اهـ.

وبِناءً على ذلك: فيُمكِنُ تَقلِيدُ هذا القول عند المالكية لِمَن ابتُلِيَ بالحقنة الشرجية في الصوم ولم يكن له مَجَالٌ في تأخير ذلك إلى ما بعد الإفطار، ويكون صيامُهُ حينئذٍ صحيحًا، ولا يجب القضاء عليه، وإن كان مستَحَبًّا خروجًا مِن خلاف جمهور العلماء.

ومما تجدر الإشارة إليه أن على الطبيب نصح المريض بتأجيل ما لا يضر تأجيله من المفطرات المتفق عليها إلى ما بعد الإفطار.  

والله سبحانه وتعالى أعلم

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام