الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات
Print

التعريف بوباء كورونا

ما فيروس كورونا (COVID-19)؟ وما علاقته بفقه النوازل؟ وما الأثر الذي أحدثه هذا الفيروس الوبائي في الواقع؟

 

الإجابة

 فيروسات كورونا: هي فئة كبيرة من الفيروسات التاجيَّة التي توجد على نطاق واسعٍ في الطبيعة، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها تتخذ شكل التاج عند فحصها تحت المجهر الإلكتروني، ومن المعروف أن الإصابة بها تسبب إما نزلات البرد العادية، أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)، أو المتلازمة التنفسية الحادة (SARS)، أو متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد، أو غيرها من الأمراض.
غير أن الخصائص الجينية لفيروس كورونا "كوفيد" (COVID-19) تختلف اختلافًا واضحًا عن الخصائص الجينية لكل من فيروسي (SARS) و(MERS)، وتشير الأبحاث الحالية إلى أن هناك تشابهًا كبيرًا بنسبة أكثر من 85% بين فيروس كورونا المستجد والفيروس التاجي الموجود في الخفافيش والمسبب لمرض السارس (SARS).
وينتمي فيروس كورونا المستجد إلى رتبة الفيروسات العشية، فصيلة الفيروسات التاجيَّة (B)، وهو فيروس له غلاف بروتيني، وجسيمات إما دائرية أو بيضاوية، وعادة ما تكون ذات أشكال مختلفة، يتراوح قطر الفيروس بين 60 إلى 140 نانومتر، ومن المعروف حاليًّا أن حجم جينوم فيروسات كورونا هي الأكبر بين فيروسات الحمض النووي الريبوزي (RNA)، كما وُجد أن فيروس كورونا يُصيب الفقاريات فقط حتى الآن، ومن الممكن أن يُسبب أمراضًا في الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز العصبي لدى الإنسان والحيوان.
ويعد فيروس كورونا المستجد سلالة جديدة من الفيروسات التاجية التي لم تُكتشف في البشر من قبل، وقد تم اكتشافه بسبب حالات الالتهاب الرئوي التي بدأت تظهر في مدينة ووهان الصينية في آخر ديسمبر الماضي عام 2019م.
وقد أطلقت منظمة الصحة العالمية (WHO) في 11 فبراير 2020م على هذا الفيروس رسميًّا اسم (COVID-19)، فـ (Co)إشارة لكلمة كورونا، و(Vi) إشارة لكلمة فيروس، و(D) إشارة لكلمة مرض، و(19) إشارة لسنة ظهوره.
وفي 12 فبراير 2020م أطلقت عليه اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات اسم (SARS-CoV-2)، وأكَّدت أنه ينتمي لنفس جنس الفيروس المسبب لمرض السارس. انظر: "الدليل الشامل لفيروس كورونا المستجد؛ الصادر عن اللجنة الوطنية الصينية للصحة، ومكتب الإدارة الوطنية للطب الصيني" (ص: 4) بتصرف.
وقد أفادت منظمة الصحة العالمية على موقعها الرسمي أن فيروس كورونا المستجد، ينتشر بسرعة فائقة عن طريق العدوى بين الأشخاص، سواء عن طريق الجهاز التنفسي والرذاذ المتناثر من الأنف أو الفم المحمَّل بالفيروس عند السعال أو العطس أو الكلام، أو عن طريق المخالطة وملامسة المرضى والأسطح المحيطة بهم دون اتخاذ تدابير الوقاية والنظافة، ثم ملامسة اليد الملوثة بالفيروس لتجويف الفم أو الأنف أو العين أو غيرها من الأغشية المخاطية.
وهناك احتمال للتعرض للعدوى عن طريق الهواء الجوي المحيط بالمريض؛ وذلك عند التعرض لفترات طويلة إلى هواء جوي بتركيز عالٍ في بيئة مغلقة؛ حيث ينتشر الرذاذ الخارج من المريض ويظل عالقًا في الهواء على هيئة تبعثرات غروية. انظر أيضًا: "الدليل الشامل لفيروس كورونا المستجد" (ص: 5) بتصرف.
ولذلك يجب الابتعاد عن الشخص المريض بمسافة تزيد على متر واحد (3 أقدام)، وقد أثَّرت العدوى في ارتفاع أعداد الإصابات وتضاعف حالات الوفيات حتى استوجب ذلك إعلان حالة الطوارئ الصحية العالمية، باعتباره وباءً عالميًّا.
كما أفادت منظمة الصحة العالمية أن مدة حضانة الجسم لهذا الفيروس تصل إلى 14 يومًا، يكون الإنسان خلالها حاملًا للفيروس ومصدرًا لانتقاله للآخرين، كما توصلت دراسة مستخلصة من 22 بحثًا طبيًّا إلى أن مدة بقاء الفيروس على الأسطح التي لا تُطَهَّر باستمرار تصل إلى 9 أيام.
كما أن هناك دراسات صينية نشرتها دورية "(NEJM) The New England": الطبية تؤكد إمكانية نقل العدوى عن طريق أشخاص ظهرت عليهم أعراض الفيروس الخفيفة، أو لم تظهر عليهم أعراضه أصلًا. انظر: "الدليل الشامل لفيروس كورونا المستجد".
علاقة فيروس كورونا بفقه النوازل:
النوازل التي تتعرَّض لها المجتمعات كثيرة ومتعددة، وتتنوع بناء على اختلاف أحوال الناس وظروفهم؛ فمنها ما يتعلق بالجانب الاجتماعي، ومنها ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، ومنها ما يتعلق بالجانب السياسي، وغير ذلك، ولا يخفى أن النوازل في جانب من الجوانب تؤثر غالبًا على الجوانب الأخرى وتلقي بظلالها عليها.
ولقد عالج الشرع الحنيف هذه النوازل بصورة منظومية تقوم على الترقي من الأدنى إلى الأعلى؛ فتكون أولًا بمنع حصول النازلة عن طريق اتباع سبل الوقاية والتدابير التي تمنع وقوعها، ثم بعد ذلك يأتي الدفع، وهذا يكون في مرحلة توقع الأزمة وترقب حصولها، ثم أخيرًا يكون رفع الأزمة بعد وقوعها، وذلك باتباع وسائل الحل والعلاج وتخفيف آثارها.
ومن النوازل التي تقع للمجتمعات: النازلةُ الصحية؛ وهي التي تعني الخوف من تفشي الأوبئة والأمراض أو توقع انتشارها في وقت من الأوقات، وفي ضوء ما أسفرت عنه التقارير الصحية العالمية المُتَتَابعة عن فيروس كورونا (COVID-19)، وأنه قد دخل في مرحلة سرعة الانتشار والتحوُّل إلى الوباء العالمي، قد تواترت المعلومات الطبية الْمُحذِّرة من أن الخطر الحقيقي لهذا الفيروس يكمن في سهولة وسرعة انتشاره، وأن المصاب به قد لا تظهر عليه أعراضه –كما بينا-، ولا يَعْلم أنه مصاب بهذا الفيروس، وهو بذلك ينشر العدوى في كل مكان ينتقل إليه من حيث لا يدري.
إضافة إلى أن فيروس كورونا مرض عمَّ الكثير من الناس، وهو بذلك يُمَثِّلُ مرضًا وبائيًّا أشبه بالطاعون؛ فالوباء: هو المرض العام في جهة من الجهات دون غيرها، المخالف للمعتاد من الأمراض في سائر الأوقات. والطاعون: هو المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء، فتفسد به الأمزجة والأبدان؛ قال الإمام أبو عبد الله الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ" (7/ 198، ط. دار السعادة): [الوباء: هو الطاعون، وهو مرض يعمُّ الكثير من الناس في جهة من الجهات دون غيرها، بخلاف المعتاد من أحوال الناس وأمراضهم، ويكون مرضهم غالبًا مرضًا واحدًا، بخلاف سائر الأوقات، فإن أمراض الناس مختلفة] اهـ.
وقال العلامة ابن الأثير في "النهاية" (مادة "طعن"): [والطاعون: المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء، فتفسد به الأمزجة والأبدان] اهـ.
ولذلك شابَهَ الوباءُ الطاعونَ من هذه الجهة، وأخذ حكمه عند كثير من المحققين؛ فالطاعون على وزن: فاعول، من الطعن، غير أنه عُدِلَ عن أصله ووُضعَ دالًّا على الموت العام المسمى بالوباء؛ كما قال الحافظ البدر العيني في "عمدة القاري" (16/ 58، ط. دار إحياء التراث العربي)، وقال أيضًا في (14/ 129): [وإنما سمي طاعونًا لعموم مصابه وسرعة قتله، فيدخل فيه مثلُه مما يصلح اللفظُ له] اهـ.
فيدخل تحت الطاعون ما كان في معناه من الآيات المخوفة، وما يكثر منه الموت؛ كالسعال، والريح، ونحو ذلك؛ قال العلامة العَدَوي المالكي في "حاشيته على كفاية الطالب الرباني" (2/ 492، ط. دار الفكر): [وقيل: كل ما يكثر منه الموت؛ كالسعال، والريح، لا خصوص الطاعون] اهـ.
وباء كورونا (COVID-19) وأثره على الواقع:
وباء كورونا حدٌّ تاريخي فاصلٌ، ونقطة زمنية فارقة، اختلف العالم معه عمَّا كان قبله؛ حيث وضع هذا الوباء العالم تحت ضغط شديد، على مستوى الأفراد والجماعات؛ بل على مستوى الدول والمؤسسات، وكان لهذا الوباء آثاره الوخيمة وعواقبه الأليمة في مختلف مجالات الحياة ونظم الحركة فيها؛ دينيًّا وسياسيًّا وطبيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.. فأدى تفشي هذا الوباء في معظم أنحاء العالم إلى خسارة عظيمة في الأرواح، وبالتالي طلب الأطباء المختصون وولاة الأمر المسئولون إغلاق الأماكن العامة التي من الممكن أن يتجمع فيها الناس؛ من مؤسسات دينية وتعليمية واجتماعية وخدمية:
- فأُغلقت دور العبادات؛ من المساجد والكنائس ونحوهما، وعُلِّقت الصلوات، وأُرجئت بعض مظاهر العبادات؛ كالحج والعمرة ونحوهما؛ حتى تنكشف الغمة، وتمر هذه المرحلة الصعبة.
- كما تسبب هذا الوباء في تدهور الظروف الاقتصادية؛ فأحدث انكماشًا اقتصاديًّا وركودًا ماليًّا على مستوى القطاعات العامة والخاصة؛ حيث ألجأ السلطات لاتخاذ إجراءات السلامة من الإصابة بعدوى هذا الفيروس؛ من فرض الحظر وتقليل ساعات العمل، والتزام الناس البيوت؛ مما أدى إلى انكماش المعاملات التجارية واختناق الحِراك اليومي، مما صعَّب على أصحاب الشركات والمشروعات الصغيرة التي تُعد من مصادر الرزق لأصحابها والعاملين فيها، مسايرة أعمالهم بشكل طبيعي وسداد التزاماتهم المالية.
- وقد أثر هذا الوباء أيضًا تأثيرًا بالغًا على العاملين بالأجور اليومية، وأصحاب المشاريع الصغيرة، وذوي الدخول المحدودة؛ ممن يعتمدون في أرزاقهم على التعامل اليومي والأجور الوقتية والمشروعات والتجارات الصغيرة.
- كما أدى هذا الوباء إلى فرض الحجر الصحي على المُصابين بهذا الفيروس، وشددت السلطات في الإجراءات اللازمة لدعم النظم الصحية والمحافظة على سلامة مواطنيها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام