الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات
Print

طريقة الدفن وكيفية إدخال جسد المتوفى إلى القبر

ما هي كيفية الدفن الشرعي؟ وطريقة إدخال جسد الميت إلى القبر بالتفصيل؟

الإجابة

مِن المُقَرَّرِ شرعًا أنَّ دَفنَ الميت فيه تكريمٌ للإنسان؛ لقول الله تعالى في مَعرِض الِامتِنان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ۞ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25-26]، وقد حَثَّ الإسلامُ عليه، وأَجمَعَ المسلمون على أنَّ دَفن الميت ومُوَارَاةَ بَدَنِهِ فرضُ كِفَايَةٍ؛ إذا قام به بَعضٌ مِنهم أو مِن غيرهم سَقَط عن الباقين.
ويستحب عند الدفن الدعاءُ للميت وحل أربطة الكفن، وأن يقول واضعه: "بسم الله، وعلى ملة رسول الله -أو: على سُنّة رسول الله-"؛ لحديث عمر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ -أو: وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ-» رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه.
والمطلوب في القبر الشرعي الذي يصلح لِدَفن الميت هو حُفرةٌ تُوَارِيهِ وتَحفَظُهُ مِن الِاعتِداء عليه وتَستُره وتَكتم رائحتَه، والأصل أن يكون ذلك في شَقٍّ أو لَحْد، فأمَّا الشَّق فيكون بأنْ يُعَمَّقَ في الأرض مَحَلّ الدَّفن على قَدْر قامَة الإنسان العادي الذي يَرفع يدَه فوقَه (أي مترين وربع المتر تقريبًا)، ثم يُحفَر في أرضها على قَدْر وضع الميت على جَنبه بِطُوله؛ بحيث يكون على جَنبه الأيمن وصَدرُه لِلقِبلة، ثم يُوَسَّد في قبره ويَدُه لِجَنْبِهِ، ثم تُوضَعُ اللَّبِناتُ أو الحِجارة فوق الشَّقِّ، ثم يَخرج الحافِر، ثم يُهالُ عليه التراب، وأما اللَّحْد فيكون بأنْ يَقوم الواقف داخل الحُفرة المُعَمَّقة في الأرض بحَفرِ مكانٍ في أحَد جانِبَي القبر على بُعد ثُلُثَي طُولِه مِن الأرض يَسمح بدَفن الميت فيه، ويُعَمِّقه؛ بحيث يُمكِن إرقادُ الميت فيه على الهيئة السابقة، ثم يُغطِّي الجانبَ المفتوح باللَّبِن أو الحِجارة، ثم يَخرج الحافِر ويُهِيل التراب، وهاتان الطريقتان إنما تَصلُحان في الأرض الصَّلْبة، فإن لم يَصلُح الدَّفنُ بذلك -كما هو الحال في مِصر وغيرها مِن البلاد ذات الطبيعة الأرضية الرَّخْوَة- فلا مانع مِن أنْ يَكون الدَّفنُ بطريقةٍ أخرى بشرْط أنْ تُحَقِّق المطلوب المذكور في القبر الشرعي، وهذا هو الذي دَعَا أهلَ مِصر للُّجوء إلى الدَّفن في الفَسَاقي مُنذ قُرون طويلة؛ لأنَّ أرض مِصر رَخْوَةٌ تَكثُر فيها المياه الجَوْفِيَّة ولا تَصلُح فيها طريقةُ الشَّق أو اللَّحْد، ولا حَرَجَ في ذلك شرعًا كما نَصَّ عليه جماعةٌ مِن الأئمة الفقهاء مِن محققي المذاهب الفقهية المتبوعة.
وأما كيفية إدخال الميت إلى القبر: فإن الشافعية والحنابلة يستحبون أن يُدخَل الميت برأسه من عند رجلي القبر، ثم يُسل سلًّا رفيقًا إلى داخل القبر إذا تيسر الأمر؛ بحيث يُدفَن تِجاه القِبلة مُباشَرةً مِن غير حاجَةٍ إلى الدَّوَران به داخل القبر، لِمَا روى الإمام الشافعي في "الأم" (1/ 311) عن ابن عـباس رضى الله عنهما قال: "سُلَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وســلم مِن قِبَلِ رأسِه".
وروى أيضًا عن عمران بن موسى: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سُلَّ مِن قِبَلِ رأسه، والناسُ بعدَ ذلك".
وروى أيضًا عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضر -لا اختلاف بينهم في ذلك-: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سُلَّ مِن قِبَلِ رأسه، وأبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما".
وروى أبو داود والبيهقي في "سننهما" عن أبي إسحاق قال: "أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من موضع رجلي الميت داخل القبر، وقال: هذا من السنة".
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الأم" (1/ 311، ط. دار المعرفة): [وأمورُ الموتى وإدخالهم من الأمور المشهورة عندنا؛ لكثرة الموت، وحضور الأئمة، وأهل الثقة، وهو من الأمور العامة التي يُستَغنَى فيها عن الحديث، ويكون الحديث فيها كالتكلف؛ لعموم معرفة الناس بها، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار بين أظهرنا؛ ينقل العامة عن العامة لا يختلفون في ذلك: أن الميت يُسَلُّ سَلًّا] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين وعمدة المفتين" (2/ 133، ط. المكتب الإسلامي): [السنة أن يوضع الميت عند أسفل القبر، بحيث يكون رأسه عند رجل القبر، ثم يُسَلُّ من جهة رأسه سلًّا رفيقًا] اهـ.
وقال في "المجموع" (5/ 294، ط. دار الفكر): [السنة أن يوضع رأسه عند رجل القبر ثم يُسَلُّ سلًّا، وقال أبو حنيفة: يوضع عرضًا من ناحية القبلة، ثم يدخل القبر معترضًا] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 370، ط. مكتبة القاهرة): [(ويدخل قبره من عند رجليه إن كان أسهل عليهم).. وذلك أن المستحب أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر، ثم يسل سلًّا إلى القبر؛ رُوِيَ ذلك عن ابن عمر، وأنس، وعبد الله بن يزيد الأنصاري، رضي الله عنهم، والنخعي، والشعبي، والشافعي] اهـ.
بينما استحب الحنفية والمالكية أن يوضَع الميتُ عرضًا إلى القبلة ثم يُدخَل إلى قبره على حاله مستقبِلًا القبلة، مع نصهم على مشروعية السَّلِّ إن عَسُر إدخاله مِن قِبَل القبلة:
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 319، ط. دار الكتب العلمية): [وأما سنة الدفن: فالسنة عندنا أن يُدخَل الميت من قبل القبلة، وهو أن توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل منه الميت فيوضع في اللحد] اهـ.
وقال العلامة الميداني الحنفي في "اللباب" (1/ 132، ط. المكتبة العلمية): [(ويدخل الميت مما يلي القبلة) إن أمكن، وهو: أن توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل الميت فيوضع في اللحد فيكون الآخذ له مستقبل القبلة، وهذا إذا لم يخش على القبر أن ينهار، وإلا فيسل من قبل رأسه أو رجليه] اهـ.
وقال العلامة الحطّاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 233، ط. دار الفكر): [فإن النعش يوضع على طرف القبر يكون رأس الجنازة على جانبه عند رجل القبر ويسل الميت من قبل رأسه، وبه قال الشافعي وابن حنبل، وقال أبو حنيفة: يوضع بطول القبر مما يلي القبلة، ثم يؤخذ الميت من جهة القبلة فيدخل القبر معترضا] اهـ.
وعند الظاهرية: أنه يُدخَلُ بالميت كيفما أمكن من أي جهة؛ قال الإمام ابن حزم الظاهري في "المحلى" (3/ 409، ط. دار الفكر): [ويُدخل الميت القبر كيف أمكن، إما من القبلة، أو من دبر القبلة، أو من قبل رأسه أو من قبل رجليه؛ إذ لا نص في شيء من ذلك] اهـ.
وهذا كله على جهة الاستحباب، والأمر كما قال الإمام أحمد رحمه الله: "كُلٌّ لا بأسَ بِهِ".
ومقصود الحنفية والمالكية: التبرك بجهة القبلة في إدخال الميت، ومقصود الشافعية والحنابلة: طلب التسهيل على القائمين بالدفن وتَوَخِّي الرفق بالميت، غير أنهم جميعًا يجعلون الأمر دائرة مع اليسر والسعة والرفق بالميت وما يناسب من ذلك طبيعة الأرض.
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 319): [رُوي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي أنه قال: حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأول أنهم كانوا يدخلون الميت مِنْ قِبَلِ القبلة، ثم أحدثوا السل لضعف أراضيهم بالبقيع؛ فإنها كانت أرضًا سبخة] اهـ.
وقال العلامة ابن جُزَيّ المالكي في "القوانين الفقهية" (ص: 66): [ولا بأس أن يدخل الميت في قبره من أي ناحية كان، والقبلة أولى] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 370): [وإن كان الأسهل عليهم أخذه من قبل القبلة، أو من رأس القبر، فلا حرج فيه؛ لأن استحباب أخذه من رجلي القبر إنما كان طلبًا للسهولة عليهم والرفق بهم، فإذا كان الأسهل غيره كان مستحبًّا. قال الإمام أحمد: كُلٌّ لا بأسَ بِهِ] اهـ.
ولا يخفى أن هذا الخلاف إنما يُتَصَوَّر إذا كان القبر شَقًّا أو لحدًا؛ لأن مدخل القبر يسمح بدخول الميت معترضًا، ويكون مدخل القبر حينئذٍ موازيًا لمرقد الميت، فأما إذا كانت القبور على هيئة الفساقي -كما هي الحال في قبور أهل مصر وغيرهم لطبيعة أرضهم- فإن مدخل القبر يكون أضيق من أن يدخله الميت معترضًا، كما أن المدخل لا يلزم كونه موازيًا لمرقد الميت، ولذلك لا يُتصور الخلاف في الفساقي، ويرجع الأمر إلى السَّل الذي هو مشروع عند الجميع؛ إما ابتداءًا عند الشافعية والحنابلة، وإما عند الحاجة كما هو قول الحنفية وغيرهم.
فإذا أُدخِل الميت القبر فإنه يُوضَع على شِقِّهِ الأيمن استِحبابًا، ويجب أن يُوَجَّه وَجهُهُ وصدرهُ وبطنهُ إلى القِبلة، هذا باتِّفاق الأئمة الأربعة، ويَحرُمُ تَوجيهُ الوَجهِ لغير القِبلة؛ كما هو حاصلٌ مِن بعض مَن يدفن في هذا الزمان.
كما يستحب الدعاءُ والاستغفارُ للميت بعد الفراغ من الدفن، وسؤالُ التثبيت له؛ لحديث عثمان بن مظعون رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثَبُّتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رواه أبو داود والحاكم وصححه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام