الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات
Print

حكم السفر إلى بلاد غير المسلمين

ما حكم السفر لبلاد غير المسلمين؛ حيث قد ثار هذا السؤال في ذهني عقب مطالعة فتوى من فتاوى التنظيم المتسمي بـ"الدولة الإسلامية"؛ فيها: أن جنودهم يحرم عليهم السفر والخروج إلى دار الكفر بغير مبرر شرعي؟

الإجابة

المقصود ببلاد غير المسلمين: الأقطار التي يكون معظم أهلها وساكنيها من غير المسلمين، بحيث تكون التدبير والحكم لهم في الأساس، والسفر إليها قد يكون على سبيل الزيارة أو المرور، وقد يكون على سبيل الإقامة.
والسفر بوجه عام تعرض له الأحكام الخمسة؛ فمنه ما هو طاعة واجبة؛ كالسفر للحج، ومنه ما هو طاعة مندوبة؛ كزيارة مريض، ومنه ما هو معصية؛ كالسفر لارتكاب المحرمات، ومنه ما هو مكروه؛ كالسفر لأمر مكروه، ومنه ما هو مباح؛ كالسفر للتجارة أو النزهة.
ولذلك فإن السفر إلى بلاد غير المسلمين يختلف الحكم فيه بحسب حال المسافر، والغرض من سفره والباعث عليه، ومدى قدرته على إظهار دينه.
والقول بجواز السفر إلى هذه البلاد لا بد له من ثلاثة شروط أساسية:
الشرط الأول: أن يكون سبب السفر والباعث عليه ليس أمرًا محرمًا.
الشرط الثاني: أن يأمن المسافر على دينه ونفسه وعرضه، فإن انتفى ذلك حرم عليه الذهاب، والأمن على الدين معناه الأمن من أن يكره على الكفر أو فعل المحرمات القطعية.
الشرط الثالث: أن يتمكن من إظهار دينه هناك؛ بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، وهي الواجبات الشرعية التي لا خلاف عليها؛ كالصلاة.
فإن تخلف أحد هذه الشروط حرم السفر حينئذ؛ لأن القيام بواجب الدين واجب على من قدر عليه، وعدم الذهاب من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 236-237، ط. دار إحياء التراث العربي).
وإذا كانت مجرد الإقامة الدائمة تجوز في بلاد غير المسلمين عند تحقق تلك الشروط، فلأن يكون السفر العارض جائزًا بالأولى.
وقد أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقوم أن يقيموا بمكة بعد إسلامهم وقبل فتحها، منهم: عمه العباس رضي الله عنه؛ لأنهم لم يخافوا الفتنة، وأمنوا الأذى على أنفسهم في ذلك.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الأم" (4/ 169-170، ط. دار المعرفة): [ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن فرض الهجرة على من أطاقها إنما هو على من فتن عن دينه بالبلد الذي يسلم بها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم؛ منهم: العباس بن عبد المطلب وغيره إذ لم يخافوا الفتنة] اهـ.
وروى الطبراني في "الأوسط" وابن حبان أن فُدَيكًا رضي الله عنه خرج إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، إنهم يزعمون أنه من لم يهاجر هلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا فُدَيك، أَقِم الصَّلاةَ، وآت الزكَاةَ، واهْجُر السّوء، واسكُنْ مِن أَرْضِ قَومِكَ حيثُ شئتَ».
وروى الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (7/ 37، ط. مؤسسة الرسالة) عن عطاءٍ قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها، فقال لها: يا أم المؤمنين، هل من هجرة اليوم؟ قالت: "لا، ولكن جهاد ونية، إنما كانت الهجرة قبل فتح مكة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة؛ يفرّ الرجل بدينه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (7/ 229، ط. دار المعرفة): [أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه: أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت. ومن ثَم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها؛ لما يترجى من دخول غيره في الإسلام] اهـ.
أما ما رواه أبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أنَا بَرِيءٌ مِن كلّ مُسْلِمٍ يقِيمُ بين أظهُرِ المشْرِكِينَ»؛ فمحمولٌ على من لا يأمن على دينه في دارهم. انظر: "فتح الباري" (6/ 39).
وقد جاء في "الفتاوى الحديثية" للإمام ابن حجر الهيتمي (ص: 204، ط. دار الفكر): [وسئل نفع الله به عن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا بَرِيء مِن مُسْلمٍ مقِيم بينَ أظهُرِ المشْرِكِينَ»، قالوا: لم؟ قال: «لا تَتَراءى نَاراهُما»؟
فجاء في جوابه: فإن قلت: قد ينافيه قول الفقهاء: تجوز الإقامة بينهم لمن أمن على نفسه، قلت: لا ينافيه؛ لأنهم شرطوا أمنه على إظهار دينه، وإذا أمن ذلك كان في إقامته بينهم مصلحة للمسلمين راجحة على خروجه من بينهم، فجَوَّزوا له ذلك؛ لئلا يصير محله لهجرته منه دار حرب، بل تجب عليه الإقامة حينئذ] اهـ.
وأما ذلك التنظيم المتسمي -ظلمًا وزورًا وبهتانًا- بـ"الدولة الإسلامية"؛ فهو عبارة عن عصابة من الخوارج وغلاة التكفيريين المنشقين عن تنظيم القاعدة المتطرف، وهو جهة لا يؤخذ منها دين أو علم أو إفتاء.
وأولئك المبتدعة يُلَبِّسُون على الناس بإيراد المصطلحات الفقهية القديمة في دار الكفر ودار الإسلام، وهي مصطلحات اجتهادية لا نص فيها بخصوصها من الكتاب أو من السنة، بل هي حكاية لواقع العالم آنذاك في زمن الأئمة السابقين؛ حيث قسموا البلاد إلى دار إسلام ودار كفر أو دار حرب ودار عهد، وبنوا على ذلك أحكامًا في العديد من أبواب الفقه، بما يوجب على الفقيه المعاصر النظر في هذه المصطلحات؛ بغية فهم عميق لفروع الفقه التي بنيت عليها، ومن ثَمّ رؤية الواقع، وأخذ مناهج السابقين والاستفادة بها في هذا الواقع، دونما غرق في مسائلهم الجزئية التي صار واقعها القديم مرتفعًا، ولم يعد حاصلًا الآن.
والمحققون من العلماء القدامى قالوا: إن مدار الحكم على بلدٍ ما بأنه بلد إسلام أو بلد حرب هو تحقق الأمن على الدين من عدمه؛ بحيث إنه لو عاش المسلم فى بلدٍ دينُهُ غير دين الإسلام ومارس شعائر دينه بحريةٍ فهو فى دار إسلام.
قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (7/ 131، ط. دار الكتب العلمية) في بيان المقصود بإضافة الدار إلى الإسلام والكفر: [ليس هو عين الإسلام والكفر، وإنما المقصود هو الأمن والخوف، ومعناه: أن الأمان إن كان للمسلمين فيها على الإطلاق فهي دار إسلام، وإن كان الأمان فيها للكفرة على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار الكفر، والأحكام مبنيّة على الأمان والخوف، لا على الإسلام والكفر] اهـ.
والعلاقات الدولية المعاصرة اليوم تقوم على صفة مغايرة للصفة التي كانت عليها قديمًا، فالعالم الذي كان في حرب مع العالم الإسلامي طيلة قرون طويلة صار يصوغ العلاقات المعاصرة بين عالم اليوم بوجه عام على أساس من المسالمة لم يكن يعرفها من قبل، بحيث أصبحت هي الأصل في العلاقات بين الدول، وهذا يلتقي مع دعوة الإسلام في إرادة قيام العلاقات على السلم والأمن.
وأولئك الدواعش يستعملون تلك الاصطلاحات بمنأى عن ذلك كله، استعمالًا باطلًا بعيدًا عن سياقاته، ويوظفونه زورًا؛ توظيفًا مشبوهًا؛ لخدمة مآربهم الوضيعة في الوصول إلى تكفير الحكومات في بلاد المسلمين، ثم تكفير الجيوش العربية الإسلامية، ووصفها بأنه جند الطاغوت، ثم تكفير شعوب هذه البلاد بحجج متهافتة، فيطلقون -بناء على مقدمات موهومة مخدوشة- على بلاد المسلمين أنها من ديار الكفر، ويستعملون عبارات العلماء القديمة وينزلونها في غير محالها، إيهامًا وتدليسًا، أو جهلًا وغباء.
على أنا نحبذ ألا يخرج جنودهم من أوكارهم إلى البلدان الأخرى كما هو مضمون فتواهم، ولكن ليس من الحيثيات التي ذكروها، بل من حيثية أن ذلك سبب يحصل به حصر شرهم وأذاهم وشؤمهم وكف ذلك عن غيرهم من عباد الله المسالمين من المسلمين وغيرهم في البلدان الأخرى.
وعليه: فالسفر إلى بلاد غير المسلمين جائز ما دام الباعث عليه مشروعًا، مع أمن المسافر فيه على دينه ونفسه وعرضه، وتمكنه من القيام بشعائر الإسلام بدون ممانع على التفصيل الذي تقدم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام