الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

عدم ظهور الهلال في البلاد الغربية مع ظهوره شرقًا

نعيش في غرب كندا ولا نشترك مع مصر أو السعودية في أي جزء من الليل. لقد قررت بعض المساجد أن تصوم تبعًا لرؤية الهلال في السعودية، بينما يصر البعض الآخر على رؤية الهلال في كندا أو إتمام شهر شعبان 30 يومًا. لقد سألنا مركز الفضاء والعلوم وكانت الإفادة كالآتي: 
إنه في يوم 10 أغسطس قد غاب القمر الساعة 9: 04م وغابت الشمس الساعة 9: 12م، إذن فإنه من المستحيل رؤية الهلال. فكيف يمكن بداية رمضان في 11 أغسطس في هذه الحالة؟ ما هو موقف من صاموا يوم 11 أغسطس؟ هل علينا أن نصوم تبعًا لرؤية الهلال هنا أم تبعًا لرؤيته في السعودية؟

الإجابة

اختلف العلماء في قضية اعتبار "اختلاف المطالع" من عدمه في خصوص ما يترتب على رؤية الهلال في إحدى البلدان من وجوب الصوم أو الفطر على غيرها من البلدان التي لم يشاهد فيها الهلال.

فذهب الحنفية -كما نص عليه الإمام النسفي في "كنز الدقائق" (1/ 321، مع شرح تبيين الحقائق للزيلعي ط. دار الكتاب الإسلامي) والعلامة ابن عابدين في "تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان" (ص: 27-28، ط. مطبعة معارف بدمشق)-: إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع؛ بمعنى أنه إذا رأى الهلال أهل بلد ولم يره أهل بلد آخر وجب عليهم أن يصوموا برؤية أولئك كيفما كان.

وذهب المالكية إلى أن رؤية الهلال بجماعة مستفيضة في بلد يلزم غيرها من البلاد مطلقًا؛ قال سيدي خليل في مختصره: "وعم إن نقل بهما عنهما" اهـ، أي: عَمَّ وجوب الصوم سائر البلاد القريبة والبعيدة إذا نقل بعدلين عن عدلين، أو الاستفاضة عن الاستفاضة، فإذا رؤي وثبت الهلال في مكان ما فإن هذه الرؤية تعم جميع الأقطار. (انظر: "شرح مختصر خليل للخرشي" 2/ 236، ط. دار الفكر، و"حاشية الدسوقي" 1/ 510، ط. دار إحياء الكتب العربية). 

وعند الحنابلة أيضًا أنه لا عبرة باختلاف المطالع، قال العلامة ابن مفلح في "الفروع" (3/ 12، ط. عالم الكتب): "(وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم) لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، وأما من لم يره: فإن كانت المطالع متفقة لزمهم الصوم أيضًا, وإن اختلفت المطالع فالصحيح من المذهب لزوم الصوم أيضًا" اهـ. وكذلك في "الإنصاف" للمرداوي (3/ 273، ط. دار إحياء التراث العربي). 

ودليلهم: ما رواه البخاري ومسلم -واللفظ لمسلم- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «صُوموا لرؤيته وأَفطِروا لرؤيَتِه»، فهو يخاطب سائر أهل الآفاق، ولم يقيد بأهل بلد دون غيرهم، فإذا وجب اعتبار رؤية أهل بلد في الصوم والإفطار وجب اعتبار رؤية غيرهم أيضًا. 

قال العلامة البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 471، ط. عالم الكتب): "(وإذا ثبتت رؤيته) أي: هلال رمضان (ببلد لزم الصوم جميع الناس) لحديث: «صوموا لرؤيته»، وهو خطاب للأمة كافة" اهـ.

وأما الشافعية فذهبوا إلى أن هلال رمضان إذا رؤي في بلد ولم يُرَ في غيرها, فإن تقارب البَلَدَان فهما كالبلد الواحد ويَلزم أهلَ البلد الآخر الصوم، وإن تباعدا فلا يجب الصوم على أهل البلد الآخر.

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "المنهج" و"شرحه" (2/ 308-309، ط. دار الفكر): "(وإن رُئِيَ) الهلال (بمحَلٍ لزم حكمه محلا قريبًا) منه، (وهو) يحصل (باتحاد المَطلَع) بخلاف البعيد منه، وهو يحصل باختلاف المَطلَع أو بالشك فيه كما صَرَّح به في الروضة كأصلها، لا بمسافة القَصر" اهـ.

ونقل ابن المنذر أن رؤية الهلال لا تلزم غير أهل بلد الرؤية عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق بن راهويه. كما في "المجموع" للإمام النووي (6/ 282، ط. المنيرية).

ودليلهم: ما رواه مسلم عن كُرَيب بن أبي مسلم مولى ابن عباس رضي الله عنهما: أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمْتُ الشامَ فقَضَيْتُ حاجتها واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا الحديث ظاهر في أن كل قوم مكلفون برؤيتهم، ومورد هذا النص في الشام والحجاز، وقد وجد بينهما مسافة القصر، واختلاف الإقليم، واختلاف المطالع، واحتمال عدم الرؤية. 

فأما احتمال عدم الرؤية فهو احتمال بعيد؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال لكريب: أنت رأيته؟ فقال له كريب: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية.

وأما احتمال مسافة القصر واختلاف الإقليم فليس متجهًا أيضًا؛ كما حققه الشيخ محمد بخيت المطيعي في "إرشاد أهل الملة" (ص279، ط. مطبعة كردستان العلمية) بقوله: "إذا رجعنا إلى الواقع نجد أنه لا دخل في اختلاف الناس في رؤية الهلال بعد الغروب لمسافة القصر ولا لاختلاف الإقليم، وأن المدار في ذلك على اختلاف المطالع؛ فإنه ليس المراد باختلاف الناس في الرؤية: أن هذا يرى وهذا لا يرى، بل المراد: أن رؤية هذا للهلال بعد الغروب لا تعتبر رؤية للآخر؛ لأنه لا غروب ولا هلال في بلده، وهذا إنما يكون باختلاف المطالع فليكن عليه المعول" اهـ.

أما ما استدل به الأولون من تعلق الخطاب بمطلق الرؤية في حديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» فهو صحيح، لكنه لا يشمل إلا كل من تحقق لديهم الرؤية بعد الغروب، أما من لم توجد عندهم الرؤية بعد الغروب؛ بأن كان وقت الغروب عند الرائين هو وقت طلوع الشمس عند غيرهم، فلا يجب عليهم صوم؛ لانتفاء سبب الوجوب وهو رؤية الهلال بعد الغروب، فليس الحديث بدال على عدم اعتبار المطالع.

والذي قرره مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة في مؤتمره الثالث المنعقد في الفترة من 30 سبتمبر إلى 27 من أكتوبر سنة 1966م بشأن تحديد أوائل الشهور القمرية أنه: "لا عبرة باختلاف المطالع، وإن تباعدت الأقاليم، متى كانت مشتركة في جزء من ليلة الرؤية، وإن قل، ويكون اختلاف المطالع معتبرًا بين الأقاليم التي لا تشترك في جزء من هذه الليلة" اهـ. 

وتأكد هذا أيضا في قراره رقم [42] في جلسته الثانية في دورته الثامنة والعشرين التي عقدت بتاريخ 23 ربيع الآخر لسنة 1412هـ الموافق 31 من أكتوبر لسنة 1991م بشأن رؤية الهلال، ونصه: "أنه إذا تعذر دخول الشهر القمري، وثبتت رؤيته في بلد آخر تشترك مع المنطقة في جزء من الليل، وقال الحسابيون الفلكيون: إنه يمكث لمدة عشر دقائق فأكثر بعد الغروب، فإن دخول الشهر العربي يثبت" اهـ.

ومن التيسير على الناس أن جعل الله الظواهر الفلكية المعتادة علاماتٍ يُهتدى بها في مواقيت الصلاة والصيام والإفطار ودخول الأشهر القمرية الشرعية، ولمعرفة دخول الشهر القمري طريقتان: 
الطريقة الأولى: طريقة مرئية، وفيها يُرى الهلال في الأفق الغربي بعد غروب شمس التاسع والعشرين من الشهر المنصرم، وحول مكان غروبها، ومِثْلُها في ذلك مثلُ علامات دخول الصلوات التي تتعلق بحركة الشمس الظاهرية حول الأرض، فعلامة دخول وقت الظهر: أن تميل الشمس قليلا على خط زوال المكان ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾[الإسراء: 78]، والعصر: حينما يصير ظل الشيء مثله، والمغرب: عند اختفاء الحافة العليا لقرص الشمس تحت حافة الأفق، والعشاء: حينما ينتهي الشفق المسائي الأحمر، والفجر: حينما يبدأ الشفق الصباحي الصادق.

الطريقة الثانية: طريقة حسابية، في الحالة التي تتعذر فيها الرؤية بعد غروب شمس التاسع والعشرين بسبب مانع جوي؛ كالسحاب والضباب والدخان وشدة استضاءة الشفق، واقتراب الهلال من نقطة غروب الشمس، ولهذه الطريقة سبيلان: فإما الحساب العددي لإكمال الشهر ثلاثين يومًا إذا حدثت الغُمَّةُ، وإما حساب منازل القمر، فإذا دَلَّ الحسابُ على وجود الهلال فوق الأفق بعد غروب الشمس، وحال بينه وبين الرؤية عوامل جويةٌ وغيرها، لزم الصوم حينئذ؛ لوجوب السبب المقتضي، وهو العلم بطلوع الهلال فوق الأفق، أما إذا دل الحساب -في وجود الغيم- على عدم ظهور الهلال فوق الأفق بعد غروب الشمس؛ لأنه سبقها في الغروب: فإن الشهر يكمل ثلاثين، فلا يجوز صيام يوم الغيم إذا كان في نهاية شعبان، ولا يجوز إفطاره إذا كان في نهاية رمضان؛ لِمَا في ذلك من غلبة الظن بعدم وجود الهلال خلف السحاب. قال الإمام ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" (2/ 8، ط. مطبعة السنة المحمدية): "وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرَى لولا وجود المانع -كالغيم مثلًا- فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية بشرط من اللزوم; لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدة, أو بالاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه" اهـ.

وللعلماء تحقيقات كثيرة في تأييد هذا المذهب، وليس في الحديث الشريف ردٌّ على من قال بجواز الصوم بالحساب؛ لأن الحساب ما خرج بالشهر عن كونه تسعة وعشرين تارة، وثلاثين تارة أخرى، كما أفتى بذلك الشيخ السبكي في فتاويه، وكما أصبحنا في الصلاة نعتمد على المواقيت المحسوبة سلفًا، وننظر في ساعات أيدينا أو ساعات الحائط دون النظر في موقع الشمس من صفحة السماء، ودون التماس الظواهر الفلكية التي تَنُمُّ عن بدء مواقيت الصلاة ثم نؤذن لها، فإننا يمكن أن نستدل على وجود الهلال من عدمه من خلال الحسابات الموثوق بها، والتي يجريها الحَسَبةُ الثقاتُ.

وتبعًا للحسابات الفلكية نجد أن حالات رؤية هلال الشهر القمري خمسة: أربعة منها قاطعة لا تتأثر باختلاف المطالع، والخامسة تتأثر بها: 

- الحالة الأولى هي: أن يغرب القمر قبل غروب الشمس -أي أن المُكْثَ سالبٌ- في جميع البلاد العربية والإسلامية، وبهذا تستحيل الرؤية، ويُحكَم فيها بإكمال عدة الشهر ثلاثين يومًا، وتُرَدُّ شهادة أي شاهد، حتى وإن كان مشهودًا له بالتقى والورع؛ لأنه يكون قد توهم الرؤية توهمًا.

- والحالة الثانية هي: أن يغرب القمر بعد غروب الشمس -أي أن المُكْثَ موجب- في جميع البلاد العربية والإسلامية، وتكون احتمالات رؤيته قائمة تبعا لمدة المكث في كل بلد، وفي هذه الحالة يحكم بأن يكون اليوم التالي هو غرة الشهر الجديد، ويؤخذ في هذه الحالة بشهادة أي شاهد عدل، في أي بلد إسلامي، رجلا كان أو امرأة.

- الحالة الثالثة هي: أن يأتي ميلاد القمر أو اقترانه بعد غروب الشمس؛ وهو ما يعني أن الدورة الفلكية للشهر العربي الجديد لم تبدأ بعد، وبذلك لا يُرَى الهلالُ، وإذا رُئِي الهلالُ بعد الغروب وقبل الاقتران في حالة تأخر الاقتران إلى قرب منتصف الليل -وهي حالة نادرة وشاذة– فتكون الرؤية لهلال آخر الشهر، ويكون قَرْنَاه إلى أسفل تجاه الشرق، ولا يعتد به في الرؤية، وبذلك يكون اليوم التالي متممًا، كما يقول ابن تيمية وابن قَيِّم الجوزية: "لا رؤية قبل الاقتران"، وتُرَدُّ حينئذ شهادة الشهود، وإن كانوا في الواقع قد رأوا الهلال، وفيها يحكم بإكمال الشهر ثلاثين يومًا.

- الحالة الرابعة هي: أن تغرب الشمس كاسفة، وهو ما يعني أن حالة الاقتران تتم أثناء الغروب، وبهذا لا يمكن رؤية الهلال؛ لأن أشعة الشمس تكون عمودية على سطح الأرض مما يجعلها تَرْتَدُّ إلى سطح الشمس في صورة ظل على سطح الشمس، ولا تنعكس تجاه الأرض، ولا يرى أيّ أثر للهلال، وبذلك يكون اليوم التالي متمما، وقد جاء على لسان الشيخ محمد رشيد رضا أن "الشمس غربت يوم التاسع والعشرين من شعبان كاسفة، وجاءنا مَنْ هو مشهود له بالتقى والورع ليقول إنه شاهد الهلال، فرددنا شهادته؛ لأنه تَوَهَّم رؤية الهلال توهُّمًا".
الحالة الخامسة وهي: الحالة التي تسبب الالتباس والاضطراب خصوصًا في شهري الصوم والحج، وهي حالة غير قاطعة وتتأثر فيها رؤية الهلال باختلاف المطالع، وتمثل حوالي 24٪ على مدار أهلة السنة، أي أن حدوثها في أول رمضان يمثل نسبة 2٪ فقط من مجموع حالات الرؤية، أي أنها تحدث في رمضان بمعدل مرتين في أوله ومرتين في آخره كل ثماني سنوات، وفيها يكون اختلاف المطالع بين الشرق والغرب ذا تأثير كبير، وهي حقيقة علمية تنشأ من طبيعة مدار القمر حول الأرض، ويجب أن تؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ أي قرار، وتنقسم إلى ثلاث حالات رئيسة: 

1- أن يغرب القمر بعد غروب الشمس في معظم البلاد العربية والإسلامية، ويغرب في بعضها قبل غروب الشمس. وفي هذه الحالة يكون لكل بلد مطلعه الذي يحكم فيه بدخول الشهر من عدمه، وهذا جائز شرعًا، والدليل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والإمام الترمذي في سننه، والإمام أحمد في مسنده عن كريب مولى ابن عباس رضي الله عنهما والذي ورد ذكره آنفا.

2- أن يغرب القمر قبل غروب الشمس في معظم البلاد العربية والإسلامية، ويغرب في بعضها بعد غروب الشمس.

3- أن يغرب القمر قبل غروب الشمس في نصف البلاد تقريبًا، ويغرب بعد غروبها في النصف الآخر تقريبًا، وفي الحالتين السابقتين -الثانية والثالثة- قد يؤخذ بمبدأ اختلاف المطالع كما في الحالة الأولى، أو لا يؤخذ؛ تبعًا لما يقرره أولو الأمر في هذا الصدد.
وعليه: فمن أراد الأخذ بمذهب الجمهور القاضي بلزوم الصوم إذا ثبتت الرؤية في بلد من البلدان فله ذلك ولا حرج عليه، ومن القواعد المقررة أنه "لا إنكار في مختلف فيه"، ومما سبق يتبين الجواب عما ورد ذكره في السؤال.

والله سبحانه وتعالى أعلم


 

 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام