الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الخلل في تناول المفاهيم.. مفهوم الفتنة

تاريخ الإضافة : 17/12/2017
الخلل في تناول المفاهيم.. مفهوم الفتنة

أقام الله تعالى خلقه بين مَنْح النعم والفضل حسيًّا ومعنويًّا وبين نزول البلاء والتعرض للامتحانات وفق سنة حكيمة تميز واقعًا بين الطيب الذي يتخذ -ما استطاع سبيلًا- من ذلك وسيلة للتعلق بالقيوم وتوظيف ما منحه تعالى من طاقات ومواهب في البناء والعمران، وبين الخبيث الذي يجعل من ذلك وسيلة لتعميق الشر وزرع الفتن؛ قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35].

ولا انفكاك للإنسانية أفرادًا وأممًا ودولًا وحضارات من التعرض للفتن في كل وقت وعصر، لمجالاتها المتنوعة والمتداخل. ومفهوم الفتنة يشمل معاني الامتحان والابتلاء، وسمات الصد عن الطريق الواضح، ووسائل الإغواء والضلال، وطرق التشكيك والتلبيس وإثارة الشبهات، ومظاهر الفرقة والتشرذم والاختلاف.

ويكشف هذا المفهوم بمحدداته وسماته عن مناهج أهل التطرف وتيارات التشدد التي ينطلقون منها في الوصول إلى تأسيس ما تحصل به الفتنة في الأمة وتفريق كلمتها، تحقيقًا لأهدافهم الخبيثة؛ فمن حيث المظهر والشكل نلاحظ فرقًا شاسعًا بين حلاوة المنطق وبين مرارة العمل، فلم نجد قومًا أشد فتكًا بالمسلمين قبل غيرهم من هؤلاء، رغم أنهم تبدو عليهم صفات التعبد من قراءة دائمة للقرآن الكريم وكثرة للصوم والصلاة!

ومن حيث المنهج يحرصون على إثارة الشبهات والإشكالات على الأمور الواضحة وبث بذور الفرقة بين الأمة والمجتمعات تحت دعاوى مغرضة وهواجس فاسدة تشوه أئمة المسلمين وتنعتهم بالكفر والضلال، بل تنعت الأمة بأنهم اتخذوا أئمتهم وأعلامهم أربابًا من دون الله، مما شوش على المذاهب العلمية الممتدة والمؤسسات التعليمية الكبرى، ونال من وحدة الأمة وتماسكها، وهدد استقرارها، وقطع اتصال العلوم فيما بين أجيالها المتعاقبة، كما أنهم ضيقوا على الأمة أمرها الدنيوي والديني على حد سواء، انطلاقًا من أنهم يعيشون مسائل غير زمانهم بظروفها وملابساتها مع الاعتقاد بأن ما عندهم هو الحق الذي لا خلاف عليه، وأن ما لدى غيرهم هو الباطل الذي لا مرية فيه.

ولا ريب أنهم ينطلقون من دوافع سياسية ومصلحية وأحيانًا نفسية لترسيخ كراهية الآخر من غيرهم من خلال نشر شائعات الافتراء واختلاق الأكاذيب التي يحيط بموضوعها الغموض وعدم الشفافية، واختيار شعارات لامعة ذات طابعٍ يُثير الفتنة ويُحْدِث البلبلة، فضلًا عن مراعاة الأمور التي تغير مسار الرأي العام بسرعة خاصة في أوقات الأزمات من أجل تهييج المسلمين خاصة الشباب والعامة على القتل والدمار والتخريب تحت زعم نصرة الإسلام وتمكين المستضعفين وإزالة الظلم.

ثم إنهم بعد شيوع القتل وانتشار الدمار والخراب في عموم البلاد يقولون إننا في عصر الفتن وكثرة الهرج (القتل)، لكسب استعطاف العامة، مع ترديد النصوص الشرعيَّة التي تظهر علامات الفتن ومظاهر أشخاصها وتفريغها من سياقاتها ومواردها حتى تدعم اتجاهاتهم وتناسب أهواءهم وتشددهم، حتى رأينا الجرأة على الكلام في دين الله بغير علم، وبناء الأحكام الخطيرة على مقدمات فاسدة أو على كلام مجمل غير مفهوم، مع إساءة الظن بالناس، وتأسيس ما يبيح الدماء المصونة المعصومة بيقين، ويكدر الأمن العام ويعتدي على السلام الاجتماعي.

وبذلك يظهر أن الخلل في تناول مفهوم الفتنة وعدم مراعاة محدداته وسماته كان سببًا في وقوع أهل التطرف والتشدد في فعل الجرائم الوحشية والاستزادة من الأعمال الخبيثة؛ كالتفجير والتدمير والقتل واستحلال المحرمات ونشر الفوضى، رغم بيان الشرع الشريف لسِمَات المعالجة الحكيمة عند حدوث الفتن ووقوع الأزمات؛ حيث ورد قوله صلى الله عليه وسلم: «ستكون فِتَنٌ؛ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، مَن تَشَرَّفَ لها تَسْتَشْرِفُهُ، ومَن وَجَدَ فيها ملجأً فَلْيَعُذْ به» (متفقٌ عليه)، وفيه بيانٌ قاطعٌ لخطر الفتن وحثٌّ على تجنبها والهرب منها، مع الحرص على تعمق الوعي وشدة الحذر ودوام اليقظة والاصطفاف حول الدولة ومؤسساتها مع اجتماع الكلمة.

*********

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 26 ربيع الأول 1439هـ الموافق 15 ديسمبر 2017م السنة 142 العدد 47856

الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/627779.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام