الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الخلل في تناول المفاهيم.. مفهوم الخلافة

تاريخ الإضافة : 10/12/2017
الخلل في تناول المفاهيم.. مفهوم الخلافة

صاغ المسلمون قضيَّةَ وجود سُلطةٍ عُليا جامعة في المجتمع التي تؤكِّدها بداهةُ العقول وتتطلَّبُها حركةُ الحياة في الاجتماع البشري، وتفرضها على الكفاية النصوصُ الشرعيَّة، صاغوا ذلك تحت مُسمى "الخلافة"، المأخوذ من خلف، الذي يعني: جعلَ الشيء مكانًا آخر.

ونظرًا لأهميَّة هذه السلطة الجامعة التي تهدف إلى تحقيق الحكم الرشيد فقد لاحظها المسلمون عبر تاريخهم فشرطوا جملةً من المؤهلات ينبغي مراعاتُها فيمن يشغل هذا المنصب الرَّفيع، بغضِّ النَّظر عن المسميات المتعددة له كالخليفةِ، وولي الأمر، والسُّلطان، والأمير، وهي تؤسِّسُ لأن يكون الحُكمُ رشيدًا من قِبَلِ سُلطة مدنية تُفوِّضُها الأمة وتختارها وتراقبها وتقوِّمُها، وقد حافظ على ذلك خلفاءُ المسلمين -ولو نسبيًّا في بعض الفترات- لأكثر من 13 قرنًا، ابتداءً من مبايعةِ أبي بكر الصديق رضي الله عنه في 13 ربيع الأول عام 10هـ/ 18 يونيو 631م وحتى إعلان إسقاط الخلافة وإلغائها في 22 رجب سنة 1342هـ/ 3 مارس 1924م.

لقد اجتهد المسلمون منذ إلغاء الخلافة من الواقع المعاصر في صياغةِ عدَّةِ مشاريع وبدائل سياسية لمفهوم "الخلافة"، حتى تحيا مقاصده وتتجدد مهامه وتنهض الأمة وتجتمع كلمتها وتحافظ على كيانها مع ملاءمة الواقع ومقتضيات العصر، فنشأت عدة منظَّماتٍ حقيقية جامعة لأغلب الدول الإسلاميَّة، تهدف إلى تحقيق جمع الكلمة وتعزيز التضامن ودعم التعاون فيما بينهم عبر المجالات المختلفة.

ورغمَ وضوح مفهوم "الخلافة" نظريًّا وتحقُّقِه واقعًا في حياةِ المسلمين عبر البدائل والوسائل المختلفة الملائمة للواقع، فإنَّ أهلَ التَّطرف وجماعات التشدد يختزلون هذا المفهوم اختزالًا كبيرًا؛ لما يمثِّلُه من أهميَّةٍ كبيرة وقيمة عالية في نفوس المسلمين، حتى إنهم ليتخذونه منطلقًا أساسيًّا في عملية تحريض الأمة وتعبئتها وحشد طاقاتها -سواء الفكرية أو الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية- من أجل الوثوب إلى السلطة واكتساب مظاهرها، من خلال إشاعة أحكام عامة بطريقة عشوائية –غير صحيحة شرعًا ولا واقعًا- بأن أنظمة الحكم التي ارتضاها المسلمون "غير شرعية"، وأنها "أنظمة جاهلية مغتصبة لسلطة لا تستحقها"، وهم بذلك يعملون على تسطيح فكر الشعوب وإحداث هزَّةٍ في إيمان الأفراد بضرورة الأوطان والمحافظة عليها بالنَّفس والنَّفِيس؛ لأنها "حفنة من تراب" -بحسب زعمهم-، ولاشكَّ أن في هذه الدعوى انسياقًا وراءَ شعاراتٍ وهميَّة، واعتقادًا بنماذج افتراضية، لم يشهد لها التَّاريخ ووقائعه بالاعتبار، ولم تُبْنَ على دراساتٍ علميَّة حقيقية ولم تُرَاعِ الواقع، ولم تعترف بحاجات الناس، ولم تنظر إلى فقه المآلات.

إن القاعدة الشرعية تُقرِّرُ أن: "الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ"، فإذا تعسَّر وجودُ إمامٍ واحدٍ للمسلمين، لم يسقط حقُّ النَّاس في تولية أحد عليهم؛ حتى لا يصيروا لا رئيسَ لهم ولا ضابط يسوسُهم، وهذا حاصلٌ في الدَّولة المعاصرة، التي تحقَّقَت فيها جملةُ المقاصد الشرعيَّة التي ينشُدُها الشَّرع من الدَّولة؛ من نحوِ سياسة الناس وتدبير شئونهم، وتنفيذ الأحكام، وتجهيز الجيوش، وكسر شوكة المجرمين، والأخذ على أيديهم، وإظهار الشعائر.

كما أنه لم يسقط فرض الكفاية الذي يقضي بوجوب مواصلة أولي الأمر في الأمة للاجتهاد في صياغة البدائل الملائمة وتفعيلها على أرض الواقع، والتي من شأنها تحقيقُ وحدة الناس وجمع شملهم؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]، وهذا حاصلٌ أيضًا بصور متعددة؛ حيث توجد منظَّمات حقيقية تقوم على جمع كلمة الدول على أساس الهُويَّة الإسلاميَّة المعتمدة في الدستور والشائعة في السكان.

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 19 ربيع الأول 1439هـ الموافق 8 ديسمبر 2017م السنة 142 العدد 47849

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/626683.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام