الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

اللحظةُ الحَرِجَة .. القُدْس

تاريخ الإضافة : 07/12/2017
اللحظةُ الحَرِجَة .. القُدْس

القدسُ.. تلك المدينة المقدسة التي لا تستمد مكانتها عند الطوائف الدينية الثلاث من مجرَّد لحظةٍ تاريخيةٍ ممتدةٍ عند كلِّ طائفة، بل هي حاضنةٌ لميلاد الديانات الثلاث، فكانت شاهدًا على توحيد الْمُلْكِ والنبوَّةِ إبَّان عصر داود وسليمان عليهما السلام، ثم حاضنة لميلاد المسيحية، وفي الأخير صارت مَعلَمًا على أكبر معجزات نبيِّ الإسلام محمدٍ صلوات ربي وسلامه عليه الحِسِّيَّة، وهي حادثة الإسراء التي ذكرها المولى عز وجل في سورة باسمها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1].

بل تستمد القدسيةَ من كونها انتقلت من التاريخ المشترك إلى العقيدة الخاصة بدينٍ عَالمَيٍّ، ودخلت في رداء المسلمين من باب الدِّين الحصين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»، هذا الرِّباطُ المقدَّس بين المساجد الثلاثة المعظَّمة عند المسلمين يُلقي بظلالِ دينهم في أعمق شعورِهم، فلا يفرِّق وجدانُهم بين مسجدٍ منهم لتداخُل الدِّين والشعور عندهم، وانعكاس ذلك كله على التفكير والانفعال.

ودون خوضٍ في جدلِ اختلاق إسرائيل القديمة رغم الدَّلائل على ذلك، واتِّكاءِ اليهود على أساطير لم تُثْبِتْها الروايات التاريخية بعد البحث الطَّويل والتَّدقيق الدؤوب، وتأكيد منظَّماتٍ دولية ذات شأنٍ على إسلاميَّة المقدسات، وأن ليس لإسرائيل فيها دليل، فإن قضيةَ القدس أكبرُ من الجدل والادعاء؛ لأنها في النهاية مسألة مشاعر إنسانية، وشعائر دينية مضفورة في أعماق المسلمين، تشبه -في قداسَتِها وحُرمَتِها- منزلة مكَّة المكرَّمة في شعور المسلمين عامة، فإن القدس كمكة والمدينة ليست جزءًا من تاريخ المسلمين وجغرافيَّتهم وحسب، بل هي جزءٌ من شعورهم وشعائرهم.

ولن يسمح الوجدان العربي أن يُنسخ تاريخه أو جزءٌ منه وتُنتقص جغرافيَّته وتُسلب إرادته عليها تحت طوارئ الاحتلا؛ل فإنه لا يسمح بحالٍ أن تُنسخ شعائره ويُنتقص دينه، ودون ذلك ما لا يُتوقَّع من ردِّ فعلٍ يعلم الله وحده عواقبَه.

أقول: إذا كانت القدسُ مجرَّدَ وطنٍ مشتركٍ بين الأديان الثلاثة كان لليهود وجود على أرضه في زمنٍ ما -كما يدَّعون-؛ فقد كان قبلهم شعبٌ يَستوطِنُ هذه البقعة، وإن ادَّعى فريقٌ بأحقيَّته في الأرض بموجب استيطانِها في التَّاريخ القديم، فإن التاريخ الأقدم والتاريخ الحديث شاهدان على أحقيَّة الفلسطينيين والعرب في أرضهم.

وإذا تركنا جدل اختلاق التاريخ القديم، فلا نستطيع أن نغضَّ الطَّرْفَ عن ألفٍ وخمسمائةِ سنةٍ شاهدة أن القدسَ كانت وطنًا لأهلها من العرب والمسلمين، وقبلةً لهم تُشدُّ إليها رِحَالهُم.

إنَّ فتحَ الباب أمام نقل سفارات الدُّول -وخاصَّةً الدول الكبرى كالولايات المتحدة- إلى القدس لن يُسهم أبدًا في مسيرة السلام المتعثرة في الأساس، بل سيكون له عواقب وخيمة على إيجاد تسويةٍ عادلةٍ وشاملةٍ في هذه القضية الشَّائكةِ التي استمرَّت الجهودُ فيها لأكثر من ربع قرن.

فالقدس من خمسينيات القرن الماضي وهي "مدينةٌ عالميَّةٌ" لها خصوصية فريدة وليس لأيِّ دولةٍ سفارة فيها.

ليس هذا فحسب، بل يعتبر ذلك استعداء للشعوب العربيَّة والمسلمين في مختلف بقاعِ العالم، الذين لن يقبلوا هذا الأمر.

كما أنه سيؤجِّجُ الصراع الداخلي، ويشجِّعُ على العنف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وعودة الكفاح المسلَّحِ والعنف الذي سيقضي في النهاية على أي حلولٍ سلميَّةٍ لإنهاء النِّزاع.

لذا أناشد المؤسسات القانونية الدولية والمجتمع الدولي والمنظمات الدولية وجامعة الدول العربية أن يقوموا بواجبهم في حفظ حقوق الفلسطينيين، والعمل بقوَّة على إيقاف مثل هذه القرارات التي تُشعلُ الصِّراعات في المنطقة، وتُنهي مسيرةَ الحلول السلميَّة، وتهدم أيَّ تسويةٍ سياسيةٍ بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وعلى المجتمع الدولي أن يجبر إسرائيل على عدم مخالفة القوانين والاتفاقيات والقرارات الدولية فيما يخصُّ وضع القدس الشَّريف والحفاظ على خصوصيَّتِها التي يرتبط بها العرب بمختلف دياناتهم ارتباطًا رُوحيًّا.

**********

موقع أخبار مصرية (مصرية نيوز) على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) بتاريخ الخميس 18 ربيع الأول 1439هـ الموافق 7 ديسمبر 2017م

https://masryanews.com/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3/

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام