الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

ليلة النصف من شعبان وتجديد الإيمان

تاريخ الإضافة : 26/03/2021
Print
ليلة النصف من شعبان وتجديد الإيمان

من المعلوم أن فضل الليالي والأيام تكون بما يحصل فيها من النفحات الإلهية وشيوع الرحمات وحصول النعم الربانية، والتعرض لهذه النفحات يعد تجديدًا للإيمان وربطًا للقلوب والعقول بأيام الله تعالى وما كان فيها من نعم ونقم؛ امتثالًا لقول الله تعالى لكليمه موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5].
لقد منَّ الله تعالى على الأمة المحمدية بليلة مباركة، جليلة القدر، عظيمة الأجر، جزيلة الثواب، عامة البركة، شاملة الرحمة والمغفرة، إنها ليلة النصف من شعبان التي حث رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين على معرفة قدر هذه الليلة، مُشيدًا بفضلها، ومنبها على عظيم شرفها؛ فقال: «يَطَّلِعُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إِلَّا لِاثْنَيْنِ: مُشَاحِنٍ، وَقَاتِلِ نَفْسٍ» "مسند الإمام أحمد".
إنها ليلة جليلة كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعد للقائها ويخصها بالإحياء والاجتهاد في الدعاء والصلاة؛ فعن السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهُ، فَإِذَا هُوَ بِالْبَقِيعِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟» قَالَتْ: قَدْ قُلْتُ: وَمَا بِي ذَلِكَ، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعَرِ غَنَمِ كَلْبٍ» "سنن ابن ماجه" أي: قبيلة بني كلب، وخصهم؛ لأنهم أكثر غنمًا من سائر العرب.
فهذه النصوص الشريفة تؤكد على فضل هذه الليلة وتبين مظاهر الرحمة المبثوثة في زمانها المبارك من تضعيف ثواب الأعمال الصالحات واستجابة الدعوات وقبول التوبة ووفرة البركة وسعة المغفرة والمسامحة؛ وهي مقاصد جليلة ينبغي على المسلم التحلي بأسبابها ووسائلها بإيمان متجدد وإخلاص الدعاء وصدق التضرع إلى مولاه عزَّ وجلَّ، ويكثر فيها من هذا الدعاء المبارك الذي حفظته السيدة عائشة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة حيث كان يقول وهو ساجد: «سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَخَيَالِي، وَآمَنَ لَكَ فُؤَادِي، وَأَبُوءُ لَكَ بِالنِّعَمِ، وَأَعْتَرِفُ بِالذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِرَحْمَتِكَ مِنْ نِقْمَتِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» "فضائل الأوقات" للبيهقي.
كما ورد الحث على صيام نهار هذه الليلة المباركة في حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ، أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ، أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» "سنن ابن ماجه".
وهذه المعاني السامية تستوجب من المسلم أن يجدد حياته بتجديد إيمانه وأخلاقه وذلك بتخليه عن أي مانع يُؤدِّي إلى حرمانه من هذا الثواب الجزيل من خلال التخلص من النزاعات والخلافات التي تحدث عادة بين المتخاصمين وبين الجيران والأهل والأرحام، ونبذ الحقد والكراهية والعنف سواء اللفظي أو العملي في كل الأوقات؛ فضلًا عن تأكدها في هذه الأزمان الفاضلة، ثم عليه أن يتحلى بالتسامح والرحمة والحرص على سيادة قيم المحبة والمودة في المجتمع.
ولا ريب؛ فإن السعيد من جدد إيمانه وعلاقته بربه وبمن حوله من أسرته وأقاربه وبني وطنه، وأخلص في الإقبال على الله تعالى بالاستكثار من الصلاة وتلاوة القرآن والاستغفار والدعاء والذكر وتخليص القلب من الشحناء والأحقاد وما يستتبعهما.
فاللهم حققنا بذلك واجعلنا في هذه الليلة المباركة من عتقائك من النار ومن المقبولين.

****
الجمعة 13 شعبان 1442هــ الموافق 26 مارس 2021م.
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام