الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

رحلة الإسراء والمعراج بين الصبر والأمل

تاريخ الإضافة : 05/03/2021
Print
رحلة الإسراء والمعراج بين الصبر والأمل

لم تكن أرض مكة المكرمة في مطلع البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام ممهدة لدعوة الإسلام؛ فقد انصرف عامة أهلها عن هذه الدعوة السمحة، وسلكوا في الحيلولة عن هدايتها كل طريق.
لكن النبي المكرم صلى الله عليه وسلم صبر وجاهد، وفي هذه الأثناء قال لعمه أبي طالب: «يَا عم، والله لو وضعوا الشَّمْسُ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرُ في يساري، على أن أترك هَذَا الْأَمْرَ- حَتَّى يُظْهِرَهُ الله أو أهلك فيه- ما تركته» "دلائل النبوة للبيهقي"، وقدَّر الله تعالى موت السيدة خديجة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعمه أبي طالب في عام واحد، فيما عُرِف بـ "عام الحزن".
وهي شدائد كبيرة استقبلها النبي صلى الله عليه وسلم بتسليم جميل لمولاه تعالى وثبات وسعي حثيث إلى تحقيق المقاصد ببشارة الأمل التي تصنع أجواء إيجابية وتذيب الشدائد وتجدد الآفاق؛ التماسًا للفرج الإلهي الذي وعد الله عباده بحصوله وترقبه عقب نزول الأزمات.
وما إن مضت السنة العاشرة بعد البعثة بشدائدها وأحمالها، وأقبل العام الحادي عشر حتى حدثت المعجزة الكبرى، رحلة الإسراء والمعراج، فكانت في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب قبل الهجرة الشريفة بعدة أشهر؛ طبقًا لعمل المسلمين والمشهور المعتمد من أقوال العلماء الأثبات.
والإسراء يطلق على تلك الرحلة الأرضية الواقعة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ليلًا التي انطلقت من المسجد الحرام بالبلد الأمين وانتهت إلى المسجد الأقصى المبارك بالقدس الشريف، وهي رحلة حددها الله مكانًا وزمانًا، وهدفًا ومقصدًا، في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].
لقد سبق هذه الرحلة الفريدة إعداد وتأهيل للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث شُق صدره الشريف قبيل بدئها تأهبًا للمناجاة الإلهية واستعدادًا لأنواع النفحات والفتوحات الربانية، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ..» "صحيح مسلم".
ثم انتقل الركب المحمدي الملائكي بين المسجد الحرام الذي قام بتشييد قواعده خليل الرحمن إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وبين المسجد الأقصى الذي بناه دواد وسليمان عليهما الصلاة والسلام في أقل زمن.
وفي هذه الرحلة الأرضية مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بمحطات رئيسة، منها: الأماكن المباركة التي كانت مقر عبادة الله ومهبط الوحي على رسله وأنبيائه؛ وقد تشرفت مصر المحروسة بعبوره صلى الله عليه وسلم فوق أرضها حيث طور سيناء وواديها المقدس الذي هو بقعة مباركة تجلَّى الله تعالى فيها على كليمه موسى عليه الصلاة والسلام، وصلّى بها ركعتين، كما مرَّ ببيت لحم حيث البقعة المباركة التي ولد فيها سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، وصلى بها ركعتين أيضًا، ثم انْطَلَقَ النبي صلى الله عليه وسلم مع سيدنا جبريل عليه السلام نحو بيت المقدس، فصلى بالأنبياء والمرسلين إمامًا.
إن معجزة الإسراء ستظل تُرسِخُ في قلوب المسلمين وضمائرهم قضيَّةَ المسجد الأقصى؛ إذ هو جزءٌ لا يتجزأ من المقدسات الإسلامية، انتهى إليه إسراء نبينا ومنه بدأ معراجه إلى السماوات العلى، ثم إلى سدرة المنتهى.
كما أن هذه المعجزة الخالدة فيها من الدروس والعبر ما نحن بحاجة إلى استلهامه في تحدياتنا المعاصرة؛ مثل: الثقة بنصر الله وحسن التسليم والتوكل عليه والأخذ بالأسباب، ويبقى الدرس الأعظم فيها هو ترقب الفرج في كل شدة والثقة في الأمل والمستقبل؛ فالمحن تتبعها المنح من خلال السعي بجد واجتهاد لتحصيل ثمار الكد والصبر عليه، فكل محنة وشدة وراءها منحة وعطاء وتكريم من الله تعالى.

****
الجمعة 21 رجب 1442هــ الموافق 5 مارس 2021م.
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام