الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. حفظ مقصد النفس

تاريخ الإضافة : 19/02/2021
Print
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. حفظ مقصد النفس

تكلمنا في المقال السابق عن دور مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحقيق مقصود الشرع من "حفظ الدين"، وسمات أهميته في الحفاظ على استقرار المجتمع المتدين بصورة صحيحة، ونعالج في هذا المقال دور هذا المبدأ في تحقيق مقصود الشرع من "حفظ النفس".
إن الحفاظ على النفس الإنسانية لا يتم إلا من خلال منظومة تشريعية متكاملة تظهر من معرفة مقصود الإسلام من "حفظ النفس"، وهو يحصل بتحقق ثلاثة معان:
أولها: إقامة أصله بالتكاثر والتناسل.
وثانيها: حفظ بقائه بتوفير الغذاء والشراب والرعاية الصحية، وهذا جانب داخلي للإنسان.
وثالثها: توفير الملبس والمسكن، وهو أمر خارجي عنه.
ثم تكتمل هذه المعاني الثلاثة بثلاثة أشياء مهمة:
أولها: تأطير وجوده بالحفظ عن المحرمات كالزنا، وذلك بأن يكون على النكاح الصحيح.
وثانيها: حفظ المأكل والمشرب والعلاج بأن يكون مما لا يضر أو يقتل أو يفسد.
وثالثها: إقامة ما لا تقوم هذه الأمور إلا به من مراعاة الجوانب التشريعية الجنائية الخاصة بالعقوبات المقررة على النفس من قصاص وديات، وكذا لا يمكن المحافظة على النفس البشرية إلا بالاهتمام بالتعليم والفن والثقافة على ذات قدر الاهتمام بالمتطلبات المادية، من الغذاء والمسكن والرعاية الصحية ونحو ذلك.
إن نظر الإسلام للحياة البشرية يتلخص في أنها هبة من الله تعالى للإنسان، وأن حريته محلها في استعماله لتلك الحياة، فهو يملك كامل الحرية في خياراته التي يتخذها حال كونه "حيًّا"، ويتحمل عواقب تلك الخيارات التي اتخذها بكامل إرادته وحريته، أما "حياته" فليست داخلة في نطاق اختياره، فهو لا يملك الحق في إنهائها، ولا يملك الحق في تعاطي ما يفسدها ويضرها من الأسباب والتصرفات؛ لأنها ليست ملكه، بل ملك لخالقها، مستودعة في جسد الإنسان ليقوم بواجبه في عمارة الكون وإقامة الحياة.
ولا شكَّ أن التجارب الإنسانية عملت على تحقيق تلك العملية الرقابية وتفعيل دور "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، من خلال سلسلة من الأجهزة الرقابية التي يتم هيكلتها وبيان لوائحها واختصاصاتها بشكل يساعد على تفعيل دورها في المجتمع، وتحقيق الغايات التي أنشئت من أجلها.
فعلى جانب الغذاء والشراب والملابس والسكن والعلاج والرعاية الصحية: تؤدي الأجهزة الرقابية المعنية بهذا الجانب دورها الذي يبتغى منه ضمان حصول كل فرد من أفراد المجتمع على هذه الأمور بصورة سليمة، مع قيام المؤسسات العامة والخاصة بالدور المنوط بها من "الأوامر والنواهي التشريعية"، التي تضبط السوق على وجه يضمن توفير هذه الخدمات وتلك الرعاية على نحو يحقق مستوى لائق بالمواطن.
وتمتد الرعاية الصحية للإنسان بصرف الجهود إلى الرعاية البيطرية أيضًا؛ لأن صحة الإنسان قد ترتبط بشكل أو بآخر بصحة الحيوان، ولذلك فإن الرقابة على الرعاية الصحية البيطرية لها دور كبير في الحفاظ على الصحة العامة للإنسان.
أما على جانب التعليم والثقافة، تقوم المؤسسات التعليمية والتثقيفية بتطبيق السياسات التي تضعها الدولة للملف التعليمي والتثقيفي، وتقوم الأجهزة الرقابية بمراقبة مدى التزام تلك المؤسسات بالخطط الموضوعة، ومثل ذلك يكون في جانب التشريعات والأحكام القضائية، وكل هذه المجالات مقصود الشرع الشريف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها هو الرقابة عليها، وضمان تحقيق المؤسسات المعنية لمجموعة الأوامر والنواهي تلك الأمور، التي من المفترض أن تحقق الصالح العام لأفراد المجتمع.
وبهذه المعاني تظهر سمات ودور مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في تحقيق مقصد "حفظ النفس"، فهو يعمل كأداة رقابية ووقائية تساهم مساهمة فاعلة في تحقيق القدر الأكبر من النجاح للمنظومة التشريعية المتكاملة، ويقوم به في التجارب العصرية الأجهزة الرقابية بحسب اختصاصاتها المتنوعة والتي يناط بها تحقيق مقصود الشرع الشريف من "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وهو: توفير مراقبة فاعلة لأداء تلك المنظومة وقدرتها على تحقيق الأهداف المنوطة بها وفق مقتضيات مقصد "حفظ النفس".

****
الجمعة 7 رجب 1442هــ الموافق 19 فبراير 2021م.
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام