الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. حفظ الدين والدور المنوط بالمؤسسات

تاريخ الإضافة : 12/02/2021
Print
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. حفظ الدين والدور المنوط بالمؤسسات

اهتم العلماء بمبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" اهتمامًا كبيرًا بوصفه عبادة لها آثار متعدِّية، ويعوَّل عليها في تحقيق المصالح وضبط النظام العام بصورة أساسية لما له من خصوصية.
وهذه الخصوصية تظهر من جهة أن الأمر والنهي في ذاته هو الكاشف عن مقاصد الشرع الشريف من الأصل، وهو المحدِّد لـ"المعروف" و"المنكر" اللذان هما مناط الأمر والنهي المتعلق بالمكلفين؛ فالشرع الشريف إذا أمر بفعل علمنا أن هذا الفعل "معروف" وأنه مقصود له، وإذا نهى عن شيء تحقق لنا أن ذلك المنهي عنه هو "المنكر" ذاته، ولذا فما من مقصدٍ من مقاصد الإسلام النقية إلا وله حضور في مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"؛ لأن المعروف هو المصلحة، والمنكر هو المفسدة، وكلُ مقصودٍ من مقاصد الشرع يراعي جلب المصلحة ودرء المفسدة.
وأول هذه المقاصد الشرعيَّة "حفظ الدِّين"، بل هو المقصود الأسمى للإسلام؛ فما خلق الله البشر إلا ليقيموا دِينه ويستقيموا على أمره، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون﴾ [الروم: 30].
ويتحقق هذا المقصد الجليل عن طريق ترسيخ الاعتقاد الصحيح عند المسلم بما يثمر تحليه بالعبودية الخالصة لله تعالى، مع أداء التكاليف الشرعيَّة في العبادات والمعاملات والأخلاق، كذلك يتحقق مقصود الشرع الشريف من "حفظ الدين" من خلال صيانة الفرد والمجتمع عمَّا يفسد عليهم أمور دينهم وعلاقاتهم التعبدية من الخرافات والبدع والتطرف ونحو ذلك من الآفات الفكرية والثقافية التي تصيب المجتمعات، وتدمِّر بنيانها الثقافي والاجتماعي، خاصة إذا كان التدين يحتل رأس أولويات الاهتمام من التكوين الاجتماعي لهذه المجتمعات.
وبهذه المعاني يظهر الإطار العام لمبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وسمات تطبيقه على صعيد مقصد "حفظ الدين"؛ فالمعروف فيما يتعلق بحفظ الدين هو التدين الصحيح الذي يكون على وفق ما أراد الشرع الشريف، وذلك وفق منظومة متكاملة تنطلق من التزام القطعي وعدم الخروج عليه، وعدم الجمود على رأي واحد في الظني والمسائل التي لم يقع بخصوصها اتفاق؛ ولذا ذكر العلماء أن دائرة الظني والمسائل المختلف فيها لا يجوز فيها الإنكار بدعوى "تطبيق النهي عن المنكر" إلا في حالة واحدة وهي اختيار ولي الأمر لرأي وتشريع الالتزام به.
ولذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأداة الأهم والأكثر فعالية لتحقيق مقصود الشرع في "حفظ الدين"، والحفاظ على استقرار المجتمع المتدين بصورة صحيحه من محاولات تشويه هذا التدين ووصفه بالضلال واتهام أهله بالخروج عن الإسلام، وهي هزَّات عنيفة نتجت عن تيارات متشددة وجماعات متطرفة، والتي أفرزت جملة من التحديات الخطيرة أمام تدين المجتمعات المسلمة الصحيح والمتوارث، وما صحب ذلك من تشويه صورة الدين النقية في مختلف الأنحاء.
إن هذه المعطيات التي لا يمكن إغفالها جعلت من مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة جديرة بالعناية، والحذر في جانب الممارسة والتطبيق، مما جعل من ممارسته في إطار العمل المؤسسي أمرًا ضروريًّا ومقصودًا لذاته؛ لأن وجود مرجعية شرعية ودينية واحدة داخل الدولة من شأنها أن تزيل الضبابية المعرفية الناتجة عن الاختلال في فهم وتناول المفاهيم الشرعية لدى عامة المجتمع، خاصة مع السيولة الحاصلة في الأفكار والمعتقدات التي تتبنى أفكارًا ومفاهيم خاطئة عن الدين والشريعة.
وتمارس تلك المؤسسات دورها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحقيق المقصد الشرعي من حفظ الدين في إطار اختصاصاتها المتنوعة التي تتمحور حول شرح الحقائق الدينية ونشر المعرفة والثقافة النقية وإعادة عرض الدين الإلهي بصورة لافتة للنظر، وفي إطار ذلك يمكن تحقيق مقصود الشرع من حفظ الدين بتفعيل آلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووضعها في نصابها الصحيح.


****
الجمعة 30 جمادى الآخرة 1442هــ الموافق 12 فبراير 2021م.
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام