الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. المفهوم والأهمية

تاريخ الإضافة : 15/01/2021
Print
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. المفهوم والأهمية

 أسس الله تعالى بنيان المجتمعات والأمم على أساس متين؛ فأمر بالاستقرار والعدل والصلاح ونهى عن الفوضى والظلم والفساد، وبعث أنبياءه ورسله والعلماء -باعتبارهم ورثة لهم- بتحصيل مصالح العباد والبلاد وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
وتتوزع المسئوليات والأدوار لتحقيق ذلك وفق محاور ثلاثة مهمة، هي طبيعة الإنسان وفطرته، وإيمانه ويقظة ضميره، فإذا ضعفت النفس البشرية يأتي دور المحور الثالث: وهو وازع الالتزام من خلال سلطان القانون، ولذا فلا تخلو أي أمة من الأمم من وجود نظام متعارف عليه ينتظم جوهره وفق اتباع المعروف (الأوامر والتعليمات) واجتناب المنكر (النواهي والمحظورات)؛ وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [آل عمران: 104].
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ جليل، وباب عظيم له أصول ونظام له قواعد تتجلى سماته في أن المعروف اسم للمقبول المَرْضِيّ به، والمراد منه المقبول عقلًا وشرعًا عند انتفاء العوارض، وهو المؤدي للحق والموصل لأسباب الصلاح والعمران.
والمنكر اسم لغير المألوف، والمراد به الباطل والفساد عقلًا وشرعًا عند انتفاء العوارض، وفيه يتم الجمع بانسجام بين التشريع والقانون، والمتابعة والرقابة، والزجر والردع والعقاب.
ولقد أخذت المجتمعات بهذا المبدأ بصورة قوية خاصة المسلمين عبر تاريخهم تحت مسمى "الحسبة" حيث اهتموا به اهتمامًا بالغًا من حيث النظرية ومن حيث التطبيق وفق واقع الاجتماع البشري ومراعاة التطورات والتحولات التاريخية للدولة؛ وذلك لتوفير الاستطاعة وتهيئة المناخ للفرد والمجتمع من أجل المعونة على أداء حقوق الله تعالى، والوفاء بالحقوق العامة والمشتركة والخاصة بطريقة سهلة وميسرة.
ولا شك أن السِّلم والاستقرار، وما تتضمنه هذه القيم الراقية من مبادئ التعايش واحترام الحقوق الإنسانية لا تتحقَّق إلا بتحديد الاختصاصات، ووضع الأطُر الضابطة لمسؤوليات وصلاحيات الأفراد والمؤسسات، والتي تأتي على رأسها مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ولعل هذا يفسر الحكمة من تعمد أهل التطرف وجماعات الإرهاب للتستر وراء هذا المبدأ من أجل الاستعلاء بأفكارهم، واعتبار أنفسهم فوق الدولة ومؤسساتها ودستورها وتشريعاتها؛ لأنهم -وبشهادة واقعهم منذ النشأة وحتى الآن- مارسوا وبسلاسة شديدة كل أعمالهم الإجرامية من استقطاب حاد للأفراد والفئات، وإثارة الفتن ونشر الفوضى والخلافات، واستخدام العنف والإرهاب تحت غطاء قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» "صحيح مسلم".
وهم في الحقيقة غافلون عن الفهم الصحيح لحقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقتضياته ومقاصده ووسائله واختصاصاته، بل تضمن تطبيقهم العملي طامات كبرى أثَّرت تأثيرًا سلبيًّا على أمن المجتمعات والدول، مما ساهم في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، من خلال إنشاء كيانات موازية ترى من نفسها مرجعيات أخرى تتبنى ممارسة هذا الدور الرقابي والعقابي للمجتمع فيما يرونه وحدهم خطأ أو صوابًا، وكل هذا في النهاية يقود المجتمع إلى الفوضى وإلى الخلل في نظامه العام.
وقيامًا بالواجب الديني والوطني، وفي ظل اهتمام القيادة المصرية بتفعيل مهام وأدوار هذه المؤسسات من أجل الارتقاء بالإنسان المصري وتحقيق أهداف التنمية المستدامة وخططها بطريقة عادلة تحقق بناء الإنسان وتثمر في الاستقرار والنماء للوطن -نعالج خلال هذا المقال والمقالات التالية هذا المبدأ في ظل جملة من القضايا والإشكالات المثارة حوله من خلال المفاهيم والقيم الإسلامية بصفة خاصة، والإنسانية بصفة عامة، مع إبراز قيمتي العدل والسِّلم في المنظومة الفقهية ممثلة في النظرة الإسلامية لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقاصد وقواعد وأحكامًا، وبيان تجربة الدول الإسلامية المعاصرة في الأخذ به وتطويره بحسب معطيات العصر ومقتضيات الواقع؛ فأصبح يقوم به في الدولة الحديثة مؤسسات متعددة متناسقة فيما بينها من خلال الأدوار والاختصاصات؛ كالجهات والأجهزة الرقابية، والمؤسسات الأمنية، والجهات التشريعية والقضائية، والجهات التثقيفية والتعليمية.


****
الجمعة 2 جمادى الآخرة 1442هــ الموافق 15 يناير 2021م.

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام