الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تنظيم الأسرة.. تنظيم النسل والفهم المعكوس

تاريخ الإضافة : 23/12/2020
Print
تنظيم الأسرة.. تنظيم النسل والفهم المعكوس

 عالج المقال السابق بعض الشبهات المثارة حول قضية تنظيم النسل التي يروج من خلالها البعض أنها تعارض الإيمان بالقضاء والقدر؛ حيث أوردنا النصوص النبوية المحكمة التي أرشدت إلى أن استعمال مثل هذه الوسائل داخلٌ في حقيقة هذه القضية الإيمانية ولا يتعارض معها بحالٍ.
وفي هذا السياق يحتج بعض المعترضين على تنظيم النسل بظاهر النصوص الواردة في الحث على كثرة التناسل والأولاد، والتي منها ما أخرجه أبو داود في "سننه" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».
نعم؛ إن هذه النصوص ثابتة وصحيحة، لكن لا يصح أن تؤخذ ألفاظها على ظواهرها وبطريقة فردية دون مراعاة الأدلة الشرعيَّة الأخرى، التي لم يرد من بينها نص واحد يحدد -ولو تلميحًا- عدد الأولاد المطلوب إنجابهم لكل أسرة، وعلى العكس أيضًا لم نجد نصًّا يحرم تنظيم النسل أو الإقلال منه.
إن أبلغ بيان يوضح وَهْمَ هؤلاء في الاحتجاج بهذه النصوص الشرعيَّة هو استعمال الصحابة رضي الله عنهم تنظيم النسل من خلال الوسائل المناسبة لزمانهم، وبإقرار النبي صلى الله عليه وسلم وموافقته، تلك التي تُمَثِّل السنة العملية المحكمة والمأثورة والتي تقرر حقائق دينية ثابتة من شأنها رسم إطار واضح لعملية الإنجاب والتكاثر البشري؛ فالعبرة في ذلك لا تكون بكثرة العدد ولا بجنس المولود، وأن مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بالأمة القوية التي يدها هي العليا لا التي يدها سفلى ولا فائدة من ورائها، وإلى هذا يأتي التلميح بقوله صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ أَنْ تَتَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بَلْ أَنْتُم حِينَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَكُم غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ» "رواه أبو داود".
وهو إطار لا يوجد فيه أي اهتمام بعدد الأولاد ولا بكثرتهم، إنما هو إطار محكوم بعدة شروط وضوابط تأتي على رأس أولوياتها توفر الاستطاعة البدنية والمالية المناسبة، من مرحلة الزواج باعتبارها باكورة المراحل والخطوات لإيجاد أسرة وإنجاب أولاد فيما بعد؛ فقد أمر الشرع الشريف غير المستطيع الذي لم تتهيأ له الظروف ولم تتوفر له الإمكانيات بالصبر والاستعفاف؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33].
إذن، فإن أمر تكوين الأسرة وقيام كلٍّ من الزوجين بمسئوليته تجاه الآخر وتجاه أولادهما منضبط بسياج محكم يقتضي أحكامًا شرعية تعبدية تلزم كلا الزوجين بعدم تعريض أنفسهما لكثرة الواجبات والأعباء نتيجة تعدد الأولاد بصورة تفوق استطاعتهما وطاقتهما، وهو ضرر منهي عنه في قوله الله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233].
بالإضافة إلى أن التقصير في مراعاة هذه الضوابط سيترتب عليه ضرر أكبر مما هو واقع على الأبوين، من خلال زيادة الأعباء بصورة مباشرة على الدولة بمختلف قطاعاتها والتي من واجباتها تجاه مواطنيها توفير المناخ الملائم لبناء إنسان قوي صالح لأسرته ولمجتمعه ولوطنه ولأمته على مستوى الصحة والتعليم والإسكان وتوفير كافة الخدمات والمتطلبات.
وهذه معان شرعية راقية يتفق عليها العقلاء، وتشير بوضوح إلى مواقع المسئولية في مشكلة الزيادة السكانية الكبيرة وتحدياتها التي يتحملها كل من الزوجين بصفة أساسية؛ حيث إن تقصير الوالدين في هذا، وعدم التزامهما بتلك الأحكام والضوابط يجعلهما واقعين في الإثم نتيجة الإخلال بذلك، مع وضع المقصر منهما تحت مسئولية ثقيلة جدًّا لمن يعلم من نفسه أنه سيعجز عنها، وسيحاسب على إضاعتها حسابًا شديدًا في الآخرة، وبالإضافة إلى ذلك فإنه يعيش دنياه مضيَّقًا عليه بكثرة النفقات والأعباء، والانشغال العقلي والوجداني بذلك، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» "رواه أبو داود".


****

الجمعة 3 جماد الأولى 1442هــ الموافق 18 ديسمبر 2020م.

 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام