الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تنظيم الأسرة.. تنظيم النسل والإيمان بالقضاء والقدر

تاريخ الإضافة : 11/12/2020
Print
تنظيم الأسرة.. تنظيم النسل والإيمان بالقضاء والقدر

تناولنا في المقالات السابقة التأصيل الشرعي لقضية تنظيم النسل ومتابعة فقهاء المسلمين عبر العصور لتطورات ومبررات هذه القضية المهمة، ونناقش هنا بعض الشبهات التي يثيرها البعض حولها.

يظن بعض الناس أن إجراءات تنظيم النسل تعدُّ اعتراضًا على قضاء الله تعالى وقدره، وهو أمر غير صحيح؛ فتنظيم النسل من جملة قدر الله تعالى وقضائه؛ لأنه من باب الأخذ بالأسباب العادية التي أمرنا الله تعالى بالأخذ بها والبحث عنها، ثم إن شاء الله تعالى خلق عندها الأثر أو لم يخلقه.

كما أن قدر الله غيبٌ غير معروف لنا، لكن الأمور الحياتية التي تخضع للتجارب والتطوير ترشد الإنسان إلى أنَّه إن فعلَ كذا ترتب عليه حدوثُ نتيجة؛ وكلٌّ من قدر الله تعالى؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في شأن العزل: «مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ» "متفقٌ عليه".

كما تصدى النبي صلى الله عليه وسلم لإبطال شائعة أطلقها يهود المدينة المنورة بأن "العزل" هو "الموءودة الصغرى"؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ المَوءودَةُ الصُّغْرَى؟ قَالَ: «كَذَبَتْ -أي: أخطأت- يَهُودُ؛ لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ» "سنن أبي داود".

لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن العزل كوسيلة من وسائل تنظيم النسل لا تتضمن قتلَ الأولاد المنهيَّ عنه كما في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31]؛ لأنه ليس من أغراضه قتل الجنين بعد تكوينه في أي مرحلة عمرية وإن قَلَّت، فالغرض من وسائل تنظيم النسل المتنوعة هو منع التلقيح الذي هو النواة الأولى في تكوين الجنين، فالجنين لم يتكون بعد إذا ما تم استخدام وسيلة تنظيم النسل، ومن ثم فليس هناك قَتْلٌ، وهو أمر وضّحه الإمام علي رضي الله عنه؛ حيث تذاكر الصحابة رضي الله عنهم يومًا حول مشروعية العزل كوسيلة من وسائل تنظيم النسل وفيهم سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما، فزعم رجل أنها "الموءودة الصغرى"، فردَّ عليه الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: "إنها لا تكون موءودة حتى تمر بسبع تارات -مراحل-، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةَ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةَ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأَنْاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 13]" "المعجم الكبير للطبراني".

إن هذه المعاني تحمل في طياتها بيانًا واضحًا يرشد الإنسان السليم إلى كيفية الربط بين مباشرة الأسباب وبين الإيمان بقضاء الله وقدره؛ لأن استخدام وسائل تنظيم النسل ما هو إلا صورة من مباشرة الأسباب التي أمرنا الله تعالى بمباشرتها لتنظيم أمور الحياة وضبط مسيرتها، وهذه الأسباب قد تنجح وقد لا تنجح، مع إيماننا المطلق بأن ما قدره الله وقضاه لا بد أن يكون، إلا أن ما هو مكتوب في القضاء نحن لا نعلمه ولا نعرفه.

وبهذا البيان تنكشف حقيقة مثل هذه الشبهات التي يشيعها البعض للمشاغبة على الإجراءات التي تهدف إلى تنظيم النسل كمحور مهم من محاور مواجهة المشكلة السكانية الخطيرة، فتنظيم التناسل لا يتعارض إطلاقًا مع قضية الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن ما قدره الله تعالى نحن لا نحيط به علمًا، وإنما نحن نأخذ بالأسباب، ثم نرجع الأمور بعد ذلك لله تعالى يصرفها كيف يشاء، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف: 54].

****

جريدة الأهرام عدد الجمعة 26 ربيع الآخر 1442هـ، الموافق 11 ديسمبر 2020م.

الرابط: http://gate.ahram.org.eg/News/2541960.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام