الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تنظيم الأسرة.. التأصيل الفقهي لتنظيم النسل

تاريخ الإضافة : 04/12/2020
Print
تنظيم الأسرة.. التأصيل الفقهي لتنظيم النسل

عرفت البشرية عبر القرون وسائل متنوعة من أجل تنظيم الإنجاب وتقليل أعداد المواليد، وقد انحصرت هذه الوسائل خلال عصر النبوة في وسيلة العزل التي استعملها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم وموافقته من غير نهيٍ منه.

فقد وردت في السنة النبوية نصوصٌ كثيرة تُبيح ذلك وتؤيد استخدامه وسيلةً من وسائل منع الإنجاب وتقليل أعداد الأولاد، ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْهَنَا» "متفقٌ عليه".

ومنها: حديث أبي سَعِيد الخُدْرِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حُكم العزل، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِيَ خَارِجَةٌ» "صحيح البخاري".

ومن هذه الأحاديث الشريفة استمد المسلمون مشروعيةَ تنظيم النسل وضبط عملية التكاثر، فاتفقت كلمة المذاهب الفقهية الأربعة على جوازِه من حيث الأصل، مع اختلاف يسيرٍ في شروطه التي منها ضرورة أخذ إذن الزوجة في فعل ذلك من عدمه، حيث اشترط فقهاء الحنفيَّة والمالكية والحنابلة والشافعية في وجهٍ إذنَ الزوجة، وذهب الشافعيَّة في الوجه الثاني إلى جوازِه مطلقًا.

ثم تابع الفقهاء بمختلف مشاربهم وتنوع مدارسهم باجتهاداتهم الفقهية التطوُّرَ الذي شهده هذا المجال من خلال تنوع الوسائل المؤدية إلى تنظيم النسل؛ حيث ابتكر الأطباءُ أنواعًا كثيرة لهذا الغرض، منها ما هو دواء يؤخذ عن طريق الفم أو عن طريق الحقن، ومنها الأجهزة والأدوات المخصصة لهذا الغرض، إلى غير ذلك من الوسائل، فقرروا أن كل هذه الوسائل جائزةٌ لا حرج في استعمالها ما دام أهلُ الاختصاص وهم الأطباء، قد حكموا بصلاحيتها وعدم حدوث ضرر من استعمالها بأي من الزوجين، وبشرط عدم منع أيٍّ منهما للإنجاب بصورة دائمة ونهائية.

ولقد عالج الفقهاء المبررات والصور الداعية إلى تنظيمِ النسل عبر العصور، فحصرها الإمامُ الغزالي الشافعي في خمسة أمور، بحسب معارف عصره وما قبله، وذلك في كتابه المشتهر "إحياء علوم الدين"، وقد ذكر من الصور الجائزة منها: استبقاء المرأة جمالها والخوف على صحتها وحياتها إذا هي حملت، أو توالي حملها في فترات قريبة لا تسمح باسترداد صحتها، وسوء حالتها الصحية، وسوء حالة الزوج وضعفه عن احتمال مسئولية تربية الأولاد والعناية بهم إذا كثروا.

وهي أغراض صحيحة أبداها الصحابةُ للنبي صلى الله عليه وسلم عند السؤال عن الحكم فيما يفعلونه؛ فعن أبي سعيد الخدري قال: ذُكر العزلُ عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «وَمَا ذَاكُمْ؟» قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع، فيصيب منها -أي يجامعها- ويكره أن تحملَ منه، والرجل تكون له الأمة فيصيب منها، ويكره أن تحملَ منه، قال صلى الله عليه وسلم: «فَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ؛ فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ» "صحيح مسلم".

ولا شكَّ أن إباحةَ الشرع الشريف تنظيمَ النسل على المستوى الفردي -اعتبارًا لهذه المبررات والمقاصد- يؤيد مشروعيةَ الجهود التي تبذلها الدولة ومؤسساتها المعنية واتساق تشريعاتها مع الشرع الشريف ومقاصده العليا، في سبيل الحيلولة دون حدوث انفجار سكاني نتيجة زيادة المواليد وكثرة الإنجاب على المستوى الجماعي، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدَمًا، فتنظيم النسل هو إجراءٌ من جملة إجراءات تتخذها الدولة المصرية لمعالجة كل التحديات والمخاطر؛ مما قد تعرقل مسيرةَ التنمية والعمران التي تتبناها القيادة المصرية والتي من شأنها رفع شأن الأمة المصرية وتقويتها، وترقية أفرادها؛ حتى يكونوا لبنةً نافعة في بناء الوطن تقوي كيانه وتزيد من عوامل الأمن والاستقرار فيه، لا تضعفه ولا تكون عالةً أو عِبئًا ثقيلًا يعرقل مسيرتَه.

****

جريدة الأهرام عدد الجمعة 19 ربيع الآخر 1442هـ، الموافق 4 ديسمبر 2020م.

الرابط: http://gate.ahram.org.eg/News/2538639.aspx

 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام