الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

من فقه الواقع.. أخلاق القوات المسلحة المصرية

تاريخ الإضافة : 07/08/2020
Print
من فقه الواقع.. أخلاق القوات المسلحة المصرية

سبق الجيش المصري جيوش العالم أجمع بتاريخه المشرف وانتصاراته الخالدة في وضع القواعد الأخلاقية للجيوش ورسم أطر الأعراف والتقاليد العسكرية في حالة السلم وحالة الحرب منذ القدم، فهو جيش رشيد يحمي ولا يغدر، يدافع ولا يعتدي، حاز المفاخر وسطَّر الأمجاد في مختلف ساحات القتال عبر العصور بشرف وأمانة.

وهي صورة مشرفة تعكس الأبعاد الحضارية المكتملة لدى المصريين، التي تولي الأخلاق والقيم أولوية خاصة باعتبار أنها محل تمايز شخصية الشعوب والأمم؛ حيث استقرار الأخلاق الحسنة والقيم الصالحة في ضمير أفرادها ومجتمعاتها من أجل ضبط إطار حركة الحياة الإنسانية بما يحقق مصلحة الوطن في العاجل والآجل، فغاية الأديان الدعوة إلى التخلي عن كل خُلُق قبيح، والتحلي بكل خُلُق صحيح.

نعم، إن هذه السمات الراقية يشهد لها تاريخ الجيش المصري منذ تكوينه من قديم الزمن الذي لم يكن يومًا طامعًا في أراضي الغير ومكتسباته، أو جائرًا على حقوقه، أو مُجْهِزًا عليه في فترات ضعفه ومراحل وهنه، إنما كانت سيرته حفظ الحقوق ودعم للعدل وإعلاء محددات الأمن القومي للبلاد.

لقد عكس هذا الجيش العظيم الأبعاد الحضارية المكتملة لدى المصريين؛ في حيازة قصب السبق في وضع المعايير لأخلاق الجندية والقيم الجيدة الضابطة للعلاقات في حالة السلم والحرب على السواء منذ مرحلة مبكرة، ومن أبرز الدلائل على ذلك: الوثيقة المنقوشة على جدران مقابر قدماء المصريين، وهي وثيقة خالدة شاهدة على عمق الجندية المصرية في ترسيخ منظومة القيم والأخلاق بصورة واقعية وبطريقة سبقت المواثيق الدولية: ابتداء من تكوين الوحدات والمجموعات القتالية التي كان يراعى فيها الاستقامة وحسن الأخلاق للقادة والضباط والجنود على السواء، ومرورًا بتخصيص طرق حربية خاصة بتحركات الجيش للمحافظة على حياة المدنيين وسكينتهم، وانتهاء بحالة الحرب التي انطلق فيها من السماحة والسلم فلم يتم في واحدة منها اعتداء محض، بل الأصل في حركاته هو ضبط النفس وعدم تخويف الآخرين وإدخال الذعر عليهم.

فهو جيش قوي في حربه كما هو قوي في سلمه، يقدر كرامة الإنسان ويعلي شأن الأوطان، ويهتم بترسيخ أخلاقيات الجندية الصادقة من القوة وحسن النظام والترابط والاحتراف والصرامة في طاعة الأوامر والتوجيهات وملاحقة التطور في التسليح والتدريب والإعداد، مع إكرام أفراده والاهتمام بأمورهم وشئونهم المعنوية وتوفير المؤن والاستعدادات اللوجستية اللازمة لهؤلاء الأبطال من طعام وشراب ودواء وكسوة، ومن ثمَّ تأكد واقعًا أنه "خير أجناد الأرض".

ويشهد لهذه المعاني عدة أحاديث وآثار نبوية ثابتة، فضلًا عن الواقع والتاريخ، منها: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَقْدُمُونَ عَلَى قَوْمٍ، جُعْدٌ رُءُوسُهُمْ، فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ قُوَّةٌ لَكُمْ، وَبَلاغٌ إِلَى عَدُوِّكُمْ بِإِذْنِ اللهِ» يعني: قبط مصر. "مسند أبي يعلى"، وما روته أم سلَمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته، فقال: «اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عُدَّةً وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ» "المعجم الكبير للطبراني".

وهذا التاريخ المشرِّف وتلك المنقبة النبوية الجليلة يمثلان شهادة خالدة على أن الجيش المصري سيظل برجاله وقادته رمزَ الأخلاق للجندية القويمة، ومبدعَ القيم والتقاليد والأعراف العسكرية الراقية، فهو جيش رشيد يكمن سر قوته في تحضر عقيدته وسلوكياته في الحرب وفي السلام. وهذا نسق عام لا تخطئه العيون في جميع أفراد هذا الجيش ومختلف قادته على حد سواء.

وعلى ذكر ذلك فقد ودعنا خلال الأيام القليلة الماضية فارسًا نبيلًا وقائدًا عبقريًّا من خيرة أبناء قواتنا المسلحة الذي اجتمعت فيه أخلاقيات الجندية الراقية والقيم العسكرية الراقية، مع إخلاص كامل للوطن وإعلاء لمصلحته فوق كل اعتبار وتفان في خدمة مصرنا الحبيبة، إنه الصديق الفريق محمد العصار وزير الإنتاج الحربي رحمه الله تعالى، الذي كان مثالًا لسمات الجندية المصرية.

خالص العزاء لمصر ولقواتنا المسلحة وأسرته ومحبيه، ونسأل الله تعالى أن يتقبله في الصالحين والشهداء وأن يلهمنا وأهله الصبر والسلوان.

****

08/07/2020

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام