الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

"معجزة إلهية".. ميلاد أعظم الناس تواضعًا

تاريخ الإضافة : 15/11/2020
Print

جعل الله تعالى رسوله الأمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم على خُلُقٍ عظيمٍ، وبعثه بشريعة حنيفية ترشد الناس أجمعين إلى التحلي بـمكارم الأخلاق؛ فالخلق العظيم متمكن في شخصيته الشريفة، وأيضًا في رسالته ودعوته السمحة.

ومن جملة هذا الخلق العظيم: خُلُق التواضع الذي هو ضد الْكِبْرِ، ومظاهره كالتباهي والتفاخر والإشعار بالتمايز على الغير بالقول أو الفعل، فحقيقته تظهر في ترك التَّرفُّعِ على الآخرين، والتحلي بالرفق والـمُسالمة، والتسامح واللين وحسن العِشْرة، والـمُعاملة للجميع دون تمييز؛ وبهذا السلوك الخلقي أمر الله تعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215].

ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم يمثِّل النسق الأعلى في التحلي بخلق «التواضع» -رغم مكانته السامية التي لا يدانيها أحدٌ من العالمين- فتصرفاته السنية وأقواله الحكيمة وأحواله المنيفة نجد فيها الاهتمام الأكبر باحترام كرامة الإنسان، وجبر خواطر الناس، ومراعاة مشاعرهم، مع إنزال كل واحد منزلته؛ بإكرام الكبير والرحمة بالصغير، والشفقة على الحيوان، والرحمة بالأكوان.

لقد تكاثرت الأدلة التي تحث على التواضع وتبين فضلَ التحلي به وفضلَ أهلِه. ومن ذلك: أثنى الله تعالى على المتصفين بالتواضع وشرَّفهم بأن جعل عنوانهم «عباد الرحمن»؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، كما بيَّن صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز أن يحتقر إنسانٌ غيره ولا يستصغره؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ».

وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ.. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».

والتواضع هو خُلُقٌ حسن من أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة الحسنة؛ حيث كان صلى الله عليه وسلم أشدَّ الناس تواضعًا، من غير مذلة ولا طلبٍ لدنيا أو لما في أيدي الناس؛ إنما هو انطلاق من عبوديته المحضة لله تعالى ومعرفة حقيقة النفس ما لها وما عليها؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم نبيًّا عبدًا لله تعالى بحق، وكان يقول: «آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ».

إن تواضعَ النبي صلى الله عليه وسلم صورةٌ مرتسمة في النفوس بما ورد من أدلة قولية وعملية متكاثرة، تؤكد بُعْده صلى الله عليه وسلم عن كل مظاهر الاستعلاء والكبر؛ فقد كان متسمًا بالتواضع والسكينة في حياته ولباسه وحركته وسكونه مع تقلل في أمور الدنيا وزهد فيها، وكان يقوم بخدمة نفسه ويشارك أهله في عمل البيت، ويقضي حاجات السائلين؛ سواء كان السؤال علمًا أو عطاءً، ويزور الأرامل واليتامى والمساكين والمرضى ويجالسهم ويسأل عنهم ويقوم باحتياجاتهم، ويسلم على كل من يقابله حتى الأطفال في الطرقات، ويلبي الدعوة ولو كانت بسيطةً، ويقبل الهدية ولو كانت يسيرةً، ويرحم الإنسان والحيوان والنبات والجماد، ويُجلس الخادمَ معه على الطعام ويهتم به، ويقبل الأعذار وإن كانت كذبًا ولا يفتش فيها، بل ويزيد في إظهار التواضع في مواطن العزة والنصر على الأعداء!

هذه المعاني السامية ترسم صورة حسية لبعض جوانب تواضعه صلى الله عليه وسلم، والتي تؤكد أهميةَ وفضيلةَ تدريبِ المسلم نفسَه على التحلي بهذا الخُلق العظيم مع ترقية النفس بممارسة سلوكيات مكارم الأخلاق، بصورة عملية مرة بعد مرة، ويعمل على حماية المجتمعات المعاصرة من الانحرافات التي يجلبها التباهي والتكبر من انتشار الشحناء والغطرسة واحتقار الآخرين والاستخفاف بحقوقهم؛ فالمتواضع قريب إلى الله تعالى، قريب المنزلة والمكانة في قلوب الناس، وفي ذلك يقول أعظم الناس تواضعًا-كما ورد في الصحيح-: «مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ».

فالانكسار للخَلق فيه التمكينُ من الرب ونقاء السريرة والقلب.

*****

جريدة "الأهرام" عدد الجمعة بتاريخ 27 ربيع الأول 1442هــ الموافق 13 نوفمبر 2020م

الرابط: http://gate.ahram.org.eg/News/2528107.aspx

 

 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام