الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

عاشوراء ومبادئ التعايش

تاريخ الإضافة : 06/09/2019
Print
عاشوراء ومبادئ التعايش

لا يعرف الشرع الشريف في جوهره ولا في أحكامه الانعزال عن الآخرين أو القطيعة معه واجتنابه، وإنما حثَّ المسلمين على التعايش ومد جسور التعاون وتكامل البناء مع غيرهم كما في قولِه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].

وهي أمور قطعية ثابتة جرى عليها عمل الأمة عبر العصور، ونجد ذلك ظاهرًا في يوم عاشوراء -العاشر من شهر المحرم- من السنة الثانية من الهجرة النبوية؛ حيث وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود في المدينة المنورة بعد الهجرة إليها يتخذونه عيدًا يتزينون فيه في أبهى زينتهم، فسألهم عن سبب ذلك؟ فقالوا: هذا يوم عظيم، وهو يوم نجى الله فيه موسى، وأغرق آل فرعون، فصامه موسى شكرًا لله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ» فصامه وأمر بصيامه. "صحيح البخاري".

ويمتاز يوم عاشوراء بأنه  يوم شَرُف زمانُه بنصرة الله تعالى للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ فقد نجَّى الله تعالى في مثله نبيه نوح باستواء سفينته على جبل الجودي، وأظهر فيه الكليم موسى عليهما الصلاة والسلام وقومه على فرعون، ومن ثَمَّ درجوا عليهم السلام وأتباعهم على إحياء زمانه بالعبادة والعمل الصالح شكرًا لله تعالى على إنعامه وإكرامه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، يَوْمٌ كَانَتْ تَصُومُهُ الْأَنْبِيَاءُ فَصُومُوهُ أَنْتُمْ» "مصنف ابن أبي شيبة"، ثمَّ صامه خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم أيضًا وأمر المسلمين بصيامه وسن لهم أنْ يُصام يومًا قبله ويومًا بعده.

وبمثل هذه السنة الفعلية والقولية التي اعتبر فيها صلى الله عليه وسلم السبب الذي أخذ اليهود به تبعًا لنبيهم الكليم موسى عليه الصلاة والسلام، والذي شرع من أجله الصوم وإحياء زمان يوم عاشوراء بالأعمال الصالحة -استدل علماء الأمة المحمدية على قاعدة أصولية مهمة، وهي: "شرع من قبلنا شرع لنا"، والمراد به ما نقل إلينا بطريق صحيح من الأديان والشرائع السماوية السابقة، ولم يرد ما يدل على نسخه أو عدم مشروعيته في حق الأمة المحمدية، ومن أمثلة ذلك: استدلال جمهور العلماء من الحنفيَّة والمالكية والحنابلة، وأحد القولين عند الشافعيَّة على مشروعية الجعالة لجوازها في شريعة نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام، والتي ورد إليها الإشارة في قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72].

وتتجلى من هذه المواقف سماحة الإسلام وعلاقته الإيجابية بغيره من الأديان والأمم الأخرى، كما تنكشف بعض دلائل وسمات حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جانب التعامل مع غير المسلمين دون قطيعة معهم أو انعزال عنهم؛ فهي تؤكد على أنهم كانوا يحيون حياة اجتماعية قوية معهم فيها الجوار والتعاون والتراحم والتآلف والاستفادة من التجارب والمعارف النافعة، كما اتسمت حياتهم الاقتصادية بالحيوية والنماء؛ بالإضافة إلى تميز حياتهم الدينية والثقافية؛ بالتقاء إرادتهما حول قيم التعاون والسلام ونشرها، والإقرار بوجود الاختلاف لكن دون تصادم، والقبول بالحرية المنضبطة للأفراد، واحترام سمات التمايز وتفاصيل الحياة الخاصة، كما قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6].

وتؤكد جملة هذه المعاني المستفادة من صيام النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين عبر العصور ليوم عاشوراء على أن شريعة الإسلام تمثَّل النسق الأعلى في الإحاطة بكليات وجزئيات "التعايش" ومقاصده ومجالاته نظرية وتطبيقًا حتى باتت مقياسًا دقيقًا توزن به المناهج والقوانين والإجراءات من حيث قربها منه؛ انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: 48].

****

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام