الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

عيد الأضحى ذكرٌ لله وإحسانٌ للخلق

تاريخ الإضافة : 28/07/2020
Print
عيد الأضحى ذكرٌ لله وإحسانٌ للخلق

شرعت الأعياد في الإسلام عقب أوقات مباركة وأزمنة مفضلة اختصها الله تعالى بعبادات وأعمال صالحة ذات أجور كبيرة، ومنافع كثيرة فعيد الأضحى المبارك هو يوم الحج الأكبر وهو ختام الأيام العشر الأُول من شهر ذي الحجة التي تمتاز باجتماع أمهات العبادة فيها بكيفية لا تتأتى في غيرها كالصلاة والصيام والحج والصدقة والحث على فعل الخير والاجتهاد في الطاعة.

وليس من الصدفة هذا الارتباط الوثيق بين الأعياد وبين العبادة التي فيها ذكر الله تعالى والعمل الصالح الذي فيه نفع الأوطان والمجتمعات؛ فهو يحمل في طياته دلالات واضحة تحث المسلم على إصلاح نفسه واغتنام هذا الوقت الفضيل والتعرض لهذه النفحات الإلهية بمزيد من العمل الصالح وإتقانه، والمشاركة الإيجابية في مسيرة العمران والبناء للإنسانية؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى.. الحديث» "سنن الدَّارِمي" (1815).

لقد جعل الشرع الشريف لعيد الأضحى شعارًا جامعًا هو التكبير؛ حيث يبتدئ المسلمون من يوم عرفة وهذا اليوم فرادى وجماعات بما زادوا على التكبير القصير بقولهم: "الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا"  إلى آخر تكبيرهم المشهور الماتع، ثم يغمرون زمانه بهذا التكبير -سواء بصورة مقيدة بالصلوات المكتوبة أو بصورة مطلقة- على مدار أيامه الأربعة -يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة-؛ استجابة لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]، واتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتشبهًا بأفعال الحجاج.

وفي هذا اليوم الأغر يقترن شعار التكبير بالتقرب إلى الله تعالى بالإحسان إلى عباده وبذل المعروف بذبح الأضاحي، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36]؛ فذبح الأضحية للقادر شعيرة من شعائر الله تعالى في أيام عيد الأضحى الأربعة -سواء بالنسبة للحجاج في مكة المكرمة أو غير الحجاج في سائر البلدان- تتقارب من خلالها قلوب الفقراء والمحتاجين والأغنياء، وتنتفي خلال هذه الأيام السعيدة من المجتمعات صور الفاقة ومظاهر الحاجة حيث يأكل الفقراء كما يأكل القادرون، بما يشيع مظاهر السعادة بين أفراد المجتمع ويعمق عقيدة الإيمان لدى الفرد المسلم وتتصل بالله تعالى برباط التقوى.

وهي لمحة راقية يقول الله تعالى عنها: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]، فالعطاء والتضحية هنا بلا مقابل مادي، إنما المقابل أجرٌ أخرويٌّ، وسعادةٌ للنفس وراحة تتولد من شعور الإنسان بالأمن والعطف على غيره بسخاء نفس، فينطلق لسانه مكبرًا شاكرًا لله تعالى على الهداية وتمام النعمة، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: 37].

كما حثَّ الشرع الشريف بجانب هذه المعاني على أهمية إشاعة البهجة والسرور في هذه الأيام المباركة من خلال الترويح عن النفس ساعة بعد ساعة، والتلذذ بالمباحات مع صفاء النفس وسريان روح المحبة والتآخي وتحريك المشاعر بالشفقة والرحمة ونشر الحب وتعميم المودة تجاه الآخرين، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» "مسند الإمام أحمد" (17379).

إن مشاعر الخير والنفع تقود عامة الناس في عيد الأضحى إلى حيث تكون وحدتهم واجتماعهم وتعارفهم على المعروف والتقوى مع مراجعة صادقة مع الله تعالى وإعلاء ذكره وشكره، ونثر أريج السعادة والبهجة بين أفراد المجتمع بمختلف طبقاته، ومن ثَمَّ فهو مناسبة كريمة تكتمل فيها تلك الصورة الراقية للمجتمع التي ضربها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» "صحيح البخاري" (6011).

كل عام ومصر والأمة العربية والإسلامية بكل خير وازدهار.

****

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام